يخيل إليّ أحيانًا أن مقصد الكاتب هو الأهم في كل مرة ومع كل نص. فرغم بساطة ما يمكن أن تبديه الكتابة من معنى فما تخفيه دائمًا أعظم. فما الذي يملكه الكاتب في جعبته يستحق أن يقال؟!
في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات بدأت في النشر في مدونتي العزيزة، لا أتذكر تلك اللحظة بالتحديد التي حاولت فيها أن أعيد صياغة الأمور من حولي، صياغة تتناسب مع ذوقي المتردد دائمًا في قبول ما يقدمه لي العالم والآخر، كما أنني لا أتذكر سببًا أساسيًا دفعني للكتابة، غير إحساس ضئيل بالتجربة والشغف للتعبير عن شيء لم يُحدد منذ البداية. بأسلوب ردئ وبفكرة مشوشة انطلقت في رحلة الكتابة.
كحال كل المفاهيم الذاتية التي تنبع من الوجدان، تغير معنى الكتابة، كنت في البداية أدون الأحلام، وأحبك الخيالات، وأحلم بوجود عالم آخر، يُمكن أن أبوح فيه بشعوري، أو أبادل فيه من أريد بما أريد، عالم لا يُمكن أن يُسكت الخجل فيه شيء، ولا يمنع الخوف فيه شعور، كنت أُدون صراعي الأول، الذي ظننته وقتها صراعًا مفعمًا بالصليل، والكر والفر ولكنني عرفت في النهاية أنه لم يكن كذلك.
كانت كتابات مشوبة بشيء من الحزن الغير مفسر، ورسائل لم تكن لشخص محدد، وكأني بكتاباتي هذه أحاول أن أفسر طبيعة ما كنت أقوم به وقتها. أتذكر أحيانًا أسباب ذلك الحزن فأبتسم، وأستعرض حياتي وقتها فأضحك. كانت الكتابة وقتها أداة من أدوات الفهم، ووسيلة لقراءة ذاتي وواقعي، كانت كتابات حقيقية في وقتها، مفعمة بسذاجة المحاولات، وبساطة الأفكار، وحاجة الإنسان الملحة لاكتشاف وتدوين كل ما هو غريب.
كتبت ياسمين أكرم مرة.. وأقتبس من المعنى هنا "أريد ان أكتب كما يكتب الرجال، أواجه العالم بشجاعة، ولا أتعثر في ذاتي"
عقب خروجي من الاحتجاز انقطعت عن الكتابة، كان قرارًا إراديًا نابعًا من رؤيتي للكتابة، الكتابة محاولة هادئة ومستقلة لاكتشاف الذات والعالم، من غير الجيد أن يتم شحنها بالغضب والكراهية، أو بالأغراض السياسية المختلفة. كنت غاضبًا ومشحونًا إلى أقصى درجة، فآثرت أن أبتعد وأواجه.
طالت فترة الانقطاع وتحول كل شيء، خسرت صديقتي العزيزة، ودار العالم من حولي، أصبح انقطاعي بلا إرادة، وانتقل من كونه قرار إلى كونه حالة من اليأس، وكأن الكتابة هي محاولة لمواجهة العالم بأبعاده كلها، مواجهة ذات عبء ثقيل لا أتحمله أبدًا، انتهى الأمر لقد فشلت في مواجهة الواقع، فلا داعي للكذب من خلال الكتابة.
في الماضي كانت الكتابة مهنة.. الآن أصبحت الكتابة إجابة..!
أكتب الآن بلا غاية مسبقة، أكتب بإرادة خالصة، تلتصق بكل نص على حدة، تتشكل له بصورة مختلفة، أحيانًا أكتب لأني غاضب، أحيانًا اكتب لأني أريد ان أقول وفقط، أحيانًا أكتب لأن هذا واجبي، وأحيانًا أكتب لأني فاشل في كل شئ. لا يوجد غاية أساسية ودافع يجمع كل تلك الرغبات، غير أن تلك العشوائية هي أفضل ما يُمكن أن يُعبر عني الآن. لا أكتب كي أصارع وأثور وأكافح.. أكتب فقط لأني أحيانًا وبرغبة مضطربة أريد هذا..!
أريد أن أكتب عن شئ .. أي شئ .. كل شئ