الثلاثاء، 23 يونيو 2020

بحثًا عن نص مكتمل

الرغبة في الكمال صفة متأصلة في النفس الإنسانية، لا يمكن إنكار ذلك أو التغاضي عنه، ربما تظهر بشكل جلي في رغبته الصريحة في الدوام، والخلود، والنظرة المتفائلة للمستقبل، وربما بدت تلك الرغبة بشكل خفي في أفعاله التي ينبني عليها مصيره الكلي الذي يخرج عن ذاته الواقعية، تلك الأفعال التي يحملها جسده، ولا تنفصل عن خلايا جلده.
في بعض الأحيان يمكن تفسير قرارات الإنسان الكبرى من منظور بحثه عن الاكتمال. رغبته في الحياة الدائمة، أو في الذرية الممتدة، أو سعيه الحثيث نحو بناء شيء واقعي يرمز إلى حياته الفانية، بشكل عفويٍ، أو ثوريٍ، أو كملحوظة يتركها في نهاية مجلدات طويلة قد تمكث في أحد رفوف مكتبة قديمة يأكل عليها الزمن ويشرب، وتمتد أجيال النمل على دفتيها، وتعمّر كثبان الحشرات.. أليس هذا أيضًا اكتمالًا من نوع آخر؟ّ!.
أُسائل نفسي في بعض أوقات الصفو عن ماهية الكمال في الحياة، هل هو الخلود مع كل تلك الشوائب التي تضيفها الأيام إلى الحياة الذاتية، أم أن الاكتمال هو الغياب، والتعالي عن ذلك الواقع المحيط، بداية من التفاصيل الصغيرة كاصطدام الأصبع الصغير من القدم بطرف دولاب كبير، وصولًا إلى محيط المجال العام، والانخراط في الصراعات التي ولدنا معها، وسنموت ولازالت هذه القضايا قائمة. هل الكمال أن يصبح الإنسان في برج عاجي، يراقب الأشياء غائبًا عن الفعل المباشر، أم الكمال بالانخراط في الواقع بكل ما يحمله من حبور وآلام؟ّ! وهل من الممكن أن نعمم المثال على الحياة نفسها! أيمكن أن نُجيب عن رغبة الكمال بالأبراج العاجية، أو بمعاصرة الحياة نفسها؟!




توقفت عن الكتابة فترة طويلة جدًا، وأعني بالكتابة هذه الكتابة التي تمس الروح، وتتغلغل أفكارها في الأعماق، أسمع في معانيها، وأساليبها صوتي الخاص، أحيانًا أسمع صوتي كقرع أجراس، ذات إيقاع متزن، وأحيانًا أسمع صوتي كموج البحر، ينساب بإيقاع منسجم غير ميكانيكي. تعددت أسباب التوقف التي كنت أبرر بها موقفي لصوتي الخاص، أستغرب أوقاتً حينما أحاول حصرها فلا أتذكر إلا النذر القليل منها، أو ربما سببًا واحدًا، يختلف باختلاف الزمان والمكان، أتخيلها تنحل إلى أقانيم يراعي مقالها طبيعة مقام المرحلة، ولكن حسب ذاكرة السمك التي أحملها فالأمر كله يدور حول البحث عن النص المكتمل. 
أنا لا أكتب إلا نصوصًا مكتملة في ذهني، أتلوها بصوتي الداخلي، ويكتمل نموها داخلي حتى تخرج، أتذكر كل تلك النصوص التي كتبتها بروحي، لا زالت تؤثر في وجداني حتى هذه اللحظة، رغم ما يعتورها من أخطاء بلاغية او فنية، وكثيرًا فلسفية. لا زلت أسمع صداها في نفسي أحيانًا، هذه النصوص التي أعتبرها نموذجية ذاتيًا من ناحية الخلق، تعيد إلى نفسي الكثير من الاعتبارات التي أخذتها كمسلَّمة في بداية التعاطي مع الكتابة. وارتدت إلىّ كسؤال شديد البساطة شديد السذاجة، رغم عمق أثره، ومحوريته في أي عملية خلق إبداعي. لماذا نكتب؟ّ!

أؤمن أن البسيط يخلق المعقد، والمعقد ما هو إلا مجموعة من الأشياء البسيطة تتآلف بشكل مكثف، الحقيقة شيء بسيط بسيط للغاية، ولكنه منثور ومتشظي إلى أفكار، يفوق عددها عدد الموجودات الواقعية تقريبًا، في وقت ما كانت الكتابة تعبر عن رغبة حثيثة في الاكتشاف، عن ماهية الشيء الخفي في دواخلنا، عن ذلك الصوت النقي الذي يريد أن يطرح نفسه بقوة على الموجودات، ويلقي بنفسه على العالم قولًا ثقيلًا، سماع الصوت الخاص، وترك المساحة إلى الذات الخالقة للتعبير عن نفسها، ربما تكون هذه هي الفكرة الأولى التي انطلقت من خلالها إلى عالم الكتابة، أكتب كثيرًا أحلامي حين أستيقظ، تعليقاتي الشخصية على الناس، والمجتمع، والكتب، وأراقب تطوري الذاتي من خلال مذكرات لا زلت أحتفظ بها حتى الآن، لا أخجل ابدًا من الماضي، فالتصالح معه هو طريق الحاضر، او هكذا أؤمن بشكل بسيط، لا أحمل في نفسي كراهيةً أو حبًا لشيء من روائح الماضي، لا أشعر بالحنين أو التوق إلى الاختفاء. كنت في تلك المرحلة مغرمًا بقراءة العصر الوسيط، عصر التدوين الأكبر، الكتابة بكل شكل وعن كل شيء تقريبًا، هذا الوقت الذي يسيطر فيه الإنسان على الوجود من حوله ويفرض سلطانه الفكري على الوجود بأكمله. هذا الوقت الذي كنت فيه سعيدًا، أو قابلًا للسعادة بشكل ما.


عندما هبط زرادشت من صومعته في الجبل، رغبة في مشاركة الآخرين أفراحه الصوفية، التي توصل إليها في عزلته، قابله أحد الفلاحين، فهتف فيه أن "الإله قد مات .. ونحن الذين قتلناه"


في كل لحظة يولد تاريخ جديد، حتى الإدراك في ذاته ميلاد للتاريخ، وتجسيد لانبثاق الماضي في إطار الحاضر، اختل عالمي المتماسك من هتاف نيتشه، اختل بشكل كلي، فالعزاء الوحيد في ظل هذا العالم أصبح مهددًا بالشك، وربما سحْب بساط اليقين من تحت أرجلي لا يكون داعيًا لليأس، ولكن أي مذاق يُمكن فهمه من هذا الاختلال نفسه؟!.
هذا الاختلال ربما هو ما قتلني قبل أن يكتمل مولد الأفراح، أو أن الأفراح والإشراق لم تكن مصيري من البداية، ولكن بأي حق يرتفع سيف الحقيقة على سيف السعادة، ما هي الحقيقة إن لم تنطق من خلالي؟! مع مرور الوقت أصبحت كتاباتي قليلة، وحضوري أقل، وصوتي يخفت يوم بعد يوم، أعاني أحيانًا من انفصام الكتابة، أكتب في عملي آلاف الكلمات في الجلسة الواحدة ولكنها كلمات ميكانيكية تحليلية لا تمت إلى الروح بصلة، وأعاني من الفقدان في الجانب الآخر من الكتابة.


الانهيار هو ما يستحق الكتابة عنه، يُكتَب كثيرًا عن تحليق إيكاروس المخيف نحو الشمس، وأكثر عن اصطدامه المدوي بالأرض، بعضهم جعل الملائكة تحمله في النهاية، وبعضهم جعله يسقط وكأن شيئًا لم يحدث، الأسطورة تفتح المجال لكل هذه التكهنات. 
ولكن ما بال إيكاروس أثناء السقوط؟! 

أعلم أن الأمر لم يستغرق سوى لحظات، ولكن ما هي أفكاره في تلك اللحظة، أظل واثقًا في قوة الشمس التي أحرقت أجنحته، أم أصبح قانطًا من مصيره المؤسف؟!

أنا أكتب لكي أمثل تلك اللحظة، لحظة الانهيار والتفكك، لا اعلم هل يمكن الاعتراف بأني أحب التفكيك، أم أنني لا أستطيع أن أُكن شعورًا لأي شيء دون أن أفككه، ساخرًا أمضي في طريقي، ملقيًا كل شيء وراء الظهر.


جربت الحب مرةً وآمنت بأنه صنم إبراهيم الذي ظل عالقًا في سماء المثل، آمنت بالتجربة الذاتية، فإن لم يكن هناك مفر من غياب المعنى الشامل، فلنصنعه بأيدينا، ألسنا من قتل الإله مرةً؟! ولكني كمن ينتظر حضور مصيره، لا استطيع صرف بصري عن المجهول القادم في الأمام، عن الغاية من كل هذه التفاصيل. يومًا كنا نتحدث عن رمزية الحياة كيف نرى الحياة في صورة ساخرة ومُحكَمَة، فقلت أني أنتظر، كأنّي أجلس في عيادة طبيب في الخارج وتصلني أصوات متوحشة من الداخل، وأحيانًا ضحكات، ولا أدري كيف هو شكل هذا الطبيب، وبدلًا من الهروب، أنتظر وأنتظر وأنتظر، وأثناء انتظاري، أفكر تارة، وأحب أخرى، وأكتب قليلًا، وأقرأ أكثر، وأتململ وأتحمس، وانزوي وأُشرق.


فالحياة هي مقاومة الانتظار.. وفقط.



الاثنين، 24 سبتمبر 2018

تعيش وتفتكر

في نهاية عام 2011 فقدنا عمي الأصغر.
 كنا قد خَبِرنا الموت من قبل في العائلة، وفي العمارة، لكنها كانت المرة الأولى التي يتسلل فيها بلا مقدمات، ويختطف الأعز، والأصغر، في أسبوع واحد يعاني فيه من المرض، يتضاعف الأمر في أيام قليلة، يُحجز في المستشفى ويموت بعد ثلاثة أيام. 

أتذكر أحاديثه رغم حداثة سني، أذكر أنه كان الأكثر شبهًا بأبي، حديثه عن الأوضاع، واهتمامه بما يحدث، ومرحه الذي يغلب على الجد عنده، وتأففه من الأمور إذا زادت عن نصابها، وغضبه الفج إذا غضب، هو في ذلك مثل أبي، هما الأكثر شبهًا في الصفات، رغم ابتعادهما في الشكل. 

يحكي لنا أبي أن عمي مصطفى أحضر صندوقًا كبيرًا له كهدية لزواجه من أمي، سَعِد بها أبي غاية الفرح، وشرع في فتحها، وكلما فتح الصندوق، وجد به صندوق آخر أصغر حجمًا، واستمر في فتح الصناديق واحدًا في إثر آخر، حتى وجد صخرة في النهاية. وصارت تلك حكاية يتندرون بها كلما سنحت الفرصة للقاءات عائلية، كانت كثيرة فيما سبق، وأصبحت تقل تحت وطأة الأيام وتسارع الأحداث. 

أذكر أننا في في عام 2000 كنا نقوم بإعادة طلاء المنزل بالكامل، كان لعمي أصدقاء "نقاشيين" أخبر أبي أنه سيحضرهم، ثم توالت الأيام، ولم يحضر أحد، وعلى سبيل الدعابة أمرنا أبي بالهبوط إليه -حيث يسكن عمي في الدور الأرضي، بينما نسكن نحن في الدور الثاني- هاتفين "يا مصطفى يا مصطفى .. أين ناجي يا مصطفى" على نفس لحن الاغنية الشهيرة  -ناجي كان اسم رئيس هؤلاء "النقاشين"-.
وكأن المرح دَيْنٌ يجب قضاءه = )   

كانت هذه هي خبرتي الأولى بالموت، الموت الحقيقي لا الفقد السرمدي، الجسد بلا روح، والإجراءات البيروقراطية، وثلاجات المستشفيات الصدئة، وجسد عمي يستلقي في انتظار الغُسل، حضرتُ الأمرَ، وعرفت الموت عن قرب، كنتُ شاهدًا لا سامعًا، وكنت باكيًا لا منتحبًا. استنشق رائحة الكافور كلما تذكرت الموت، الكفن الأبيض، اللفة من الأعلى والأسفل، والغطاء البنفسجي ، الذي يغطي كل ميت قريب إلى القلب. 

حضرت السيارة وركبنا ذاهبين إلى المسجد، لتأدية صلاة الجمعة ثم صلاة الجنازة بعدها، أبي بجوار السائق وأنا وعمي تيسير بجوار الجثمان في الخلف. ربما أكون قد شاهدت بكاء واحد من أعمامي في السابق، لكن هذه اللحظة لا تكاد تُمحى من ذاكرتي، عمي تيسير ينظر إلى الجثمان ويبكي في صمت، ويدعو بخفوت. أذكر تلك اللحظة كأنها البارحة.  

رغم علاقاتنا العائلية القوية، وتشبثنا بأواصر القربى، لم تصل علاقاتنا بأحد خارج نطاق المنزل إلى شيء من الحميمية، نحافظ على مساحة الود البسيطة، أما مساحات الحب القوية فلم تظهر بيننا إلا مؤخرًا ولا تنشأ إلا نادرًا. أما عمي تيسير فربما يكون هو أحب الأعمام إلى قلبي، وأدرك أن فقده فادح على قدر طيبة قلبه وهدوءه ورزانته.  

يسكت وإذا تكلم قال شيئًا ذا قيمة، هادئ الطباع لا يتدخل إلا فيما يعنيه، دَمِث لم أر منه شيئًا شريرًا أبدًا، قريب إلى زوجته وأبنائه، ويعاشر أصدقاءه من المنطقة بالحسنى، بروح بسيطة وقلب سليم، كان الأكثر شبهًا بجدي في شبابه، وكان الأكثر عناية بحديقته بعد وفاته.  

في صغري وحال سفر أبي إلى الخارج، أتذكر طرقاته على الباب، محضرًا لنا لوازم للبيت، وأذكر أنه كان شديد العناية بجنينة جدي، حتى أنه كان يغضب كلما عبثنا بالأشجار، أو أفسدنا شيء من الورود. 

سأذكر عمي تيسير كلما نزلتُ لأصلي الفجر، حيث كان يفتح باب العمارة التي لا يملك مفتاح قفلها إلا أعمامي، ويذهب مبكرًا إلى المسجد قبل الإقامة، حيث ألحقه أنا متأخرًا، بينما يذهب أبي بعد وصولنا إلى مسجد تتأخر إقامته، أذكر أني كنت أحيانًا أرغب في الرجوع مسرعًا، فلا أسير مع عمي إلى البيت حيث يتأخر، خاتمًا صلاته كاملةً، أذكر أيضًا أني كنت حينما أتاخر في الرجوع عن الصلاة أحيانًا، أعود وأجده في الجنينة، يتأمل أو يزيل المخلفات في ساحتها التي أصبحت جرداء مع مرور الزمن. 

سأذكره وألعن كل لحظة فاتت لم أنتهزها للحديث معه. 

رحم الله عماي الأصغرين
مصطفى وتيسير   
20/9/2018

الأحد، 16 سبتمبر 2018

الكتابة والاختيارات وأشياء أخرى



أغلب الوقت لا أستطيع أن أكتب على مرة واحدة، ربما أكتب مقتطعات، مقتطفات، وربما أعد رسمًا بيانيًا لما أريد الكتابة عنه، لدي العشرات والعشرات من المسودات التي بإمكانها أن تكون نصوصًا جيدة، لكن حالة الكتابة نفسها لا أخوض غمارها إلا نادرًا، فضلًا عن ندرة النشر نفسه،  حتى الآن لا أعلم ما يمنعني من ذلك، أو ما يدفعني لاتخاذ هذه الإجراءات، هذا جعلني أعيد ترتيب الأمور في عقلي، دفعني للبحث في أساس الشخصية والتحليل بدرجة كبيرة، حاوت كثيرًا أن أقوم بتغيير ذلك، ولكن لم تلاقي محاولاتي أي نجاح، لذلك أميل الآن لتقبل تلك الفكرة وتحليلها والتعايش مع أفضل إمكانية لها. 

الاختيارات دائمًا ما تباغتني، دائمًا ما أختار، ثم أدرك أن اختياري لم يكن، بدرجة كبيرة من الصحة، اللحظات التي يجب أن أختار فيها بسرعة تكون عسيرة للغاية، أجلس في مطعم مع صديقتي، فاحتاس مع الاختيارات المتعددة، أذهب لتجربة ملابس جديدة فاحتاس في الاختيار، في معظم الأوقات أحاول أن أستعين بصديق، في تلك الاختيارات الصغيرة، ربما لا أتبع اختياره لكني أصبح قريبًا منه، فضلًا أني أخفف من حدة القرار، بأنه أمر بسيط هذا مجرد طعام، هذا مجرد لباس.. وفقط. 

تعلمت مع السنوات أن هذا جزء من طبعي، عقلي لا يعطي قراره بشكل سريع، عليه أن يدرس الموقف بشيء من الهدوء، وهو ما لا يتفق مع العالم المتسارع، من حوله،  لذلك أطوّر دائمًا استراتيجية أخذ برهة من الوقت قبل الإجابة، وربما آخذ بضع أيام في قرارات قد تتعلق بالعمل، وتؤثر بدرجة كبيرة بمستقبلي القريب أو البعيد. 

لم يكن الأمر مخصصًا لعقلي فقط، ربما العاطفة أيضًا، أتخيل أحيانًا، أني لن أبكي أو أحزن إذا فقدت عزيزًا، تأتي هذه خيالات، وربما تتمثل في أشخاص محددة، لكن بالتجربة هذا مخالف للواقع، غير أن الحزن نفسه يتأخر، إدراك فداحة الأمر، أدركه بعد وقت ربما بعد أن تبرد الإحساسات في القلوب المتوهجة، أتذكر أني مررت بتبعيات السجن بقدر كبير في عام 2016 أي بعد عامين تقريبًا من الحدث نفسه، كنت حزين لذلك، أجد نفسي غير طبيعي، او بي شيء من الكآبة، لكن مع الوقت أدرك انا هذا هو أنا، ليس نسخة معدلة او نسخة مريضة، هذه هي النسخة الأصالالية مني، وعلي أن أتعايش معها.   


نادرًا ما كنت أكتب عن نفسي، والأكثر ندرة أن أُطلع شخصًا على تفاصيل كتاباتي، أتذكر أن لدي دفتر كبير، دونت فيه معظم أحداث عام 2015، وللغرابة كان واحدًا من أسوأ اعوامي، لا أعلم هل هو كذلك فعلًا، أم أنه أصبح كذلك لأنني قمت بتدوينه، خَبِرتُ فيه الحزن والفقد والاكتئاب، ربما أكثر من تبعيات السجن نفسه، كانت المرة الأولى التي أقرر أن أدون فيها مذكراتي، لأن من طبعي أن أنسى التفاصيل، أو لا تتوهج في قلبي كما أرغب عند استعادتها، ومن نهاية العامتركت التدوين، ويومًا بعد يوم بدأت في الابتعاد عن الكتابة. 

أظن أن الكتابة درب من محاولة الفهم، في خضم السرعة التي نتعايش بها، نحن نختبر مشاعر متعددة، ومتقلبة وربما متضاربة، ثم نتجاوز بسرعة، الكتابة ربما تصبح درجة من درجات الإمساك بالذات -ليست استعادة ابتذالية او تحقيق استهلاكي- هذه القراءة للذات وتطورها، أظن أنها الشيء الجوهري في عملية التدوين.  

أعود مرة أخرى لدفتر 2015 في بداية هذه السنة، أقرأه كاملًا، -كما قلت سابقًا- من معاناتي الفقد في هذا العام، كنت أتصور أن هذا هو السبب الجوهري للحالة السيئة التي ظلت تلازمني طويلًا، ولكن بالعودة للدفتر وجدت أن قبل حدوث كل هذه المشكلات الكبيرة كانت أفكاري سلبية، ومتشائمة بدرجة كبيرة، هذا الاكتشاف نفسه كان مثير للكآبة في حينها باعتبار ان سبب ما أعاني منه أصبح مجهولًا، لكن بعدها أصبح الأمر واقعيا أكثر، وغير مزيف. هذه الاستعادة انقذتني.. أقول هذا ربما وانا أدرك الآن أن وضعي الحالي النفسي والصحي أصبح أكثر نضجًا، وأقل تقلبًا. 

تلك الحالة من المكاشفة. أظن أنها خطوة أولى للفهم والتحليل، بشكل عام، وأعتقد أن أخصائيي النفس، يتوجهون إلى المكاشفات في البداية قبل ان يبدأوا في العلاج الذي يميل في أحوال كثيرة للتحليل، وتفكيك الذاكرة، وتخيلها للأمور، وأحكام العقل.  
ما الذي يفعله الأطباء غير جعلنا أكثر نضجًا؟! نواكب الواقع بما هو واقع، ولا نفقد انسانيتنا في المحيط. 

أكتب الآن ولا أعلم هل تستمر الكتابة على هذا المنوال، لكن أظن أني اريد لها الاستمرار، أكتب عن نفسي بلا ارتباك الآن، وربما للمرة الأولى، لأنها المرة الأولى التي لا أشعر بقدر كبير من الخجل يمنعني من البوح، وربما التباكي على ما يفوت، والاعتزاز بما مَلَكت.  

الجمعة، 6 أبريل 2018

كلمتين





اليوم نظرت إلى السماء، بينما كنت عائدًا إلى البيت ليلًا. أمعنت فيها النظر متناسيًا ما بيننا من خصومة، وبطريقة ما جذبت النجوم انتباهي القديم، وعاد الوصال مرة أخرى، وذهب الخصام في تلك اللحظة، بعيدًا كأنه لم يحدث أبدًا، صفاء بلا سحب، ونجوم متألقة رغم زحام المدينة بالأضواء، صوت معذب يهتف في الأعماق، يتشبث بالأفق، ويلقي برحله إلى سماء أوسع من المأساة، تقترب هي وتحتضن ذاك اليأس وتقول لا بأس!

خاصمت السماء أيامًا طويلة، ولم أجد من رفيق إلا ظلي، وأقدام متسارعة تتصارع في طريق طويل، تعتصر الأشياء ذاتي، وأجدني في المسير وحيدا بلا سلوى. تتفتت المعاني على قارعة الطريق، وتتفوض المظاهر على جنباته، بينما تلهو السماء بأحاديث ذات صدى طويل بلا قيمة.

وها هي تتجلى في نفسي، فانظر لها وأمعن النظر، تلك النجوم تتشكل -رغم الأنف- بطبيعة خاصة لا ترتبط بالأبراج، كوجود لم يكشف عن ماهيته بعد، وكبذور تبحث عن السقية المناسبة، تتخذ من نفسها خبرًا أنتِ مبتدؤه، وتشبيها أنتِ منتهاه.

وما أنكرته بالأمس في الظل يخاصمني اليوم في السماء، ويتسلل بخفة، ليتمكن في ركن ركين من النفس، ليرسم من وجهك أجمل الصور.

كل عين تعشق حليوة
وانت حلوة في كل عين
يا حبيبتي .. قلبي عاشق
واسمحيلي بكلمتين


في عالم تحكمه اللحظة، وتحدده الرغبة، لا أجد طريقي، أسير متمهلًا قلقًا، لا ألوي على شيء، ولا أفكر إلا في خطوتي المضطربة القادمة التي ستصبح فارغة فيما بعد. في عالم سائل بلا مركز، خفيف بلا قيمة، تطفو الأشياء فيه كلما كانت خفيفة، لكنها للأسف تتفتت مع الوقت كلما طافت، فلا معنى للنجاة أو الغرق إلا في إدراك اللحظة، أبحث عبثًا عن ثقل، وأراقب السيولة بيأس. في عالم لا يؤمن إلا باللحظة.. أتلو عليك قصيدتي عسى ان أُمسك بتلابيب ذاك الشعور، ان أقتبس شيئًا من الوحي، أن احفظ النشوى في ركن ركين.
كلمتين يا حبيبتي يمكن 
هما آخر كلمتين 
حد ضامن يمشي آمن
أو مآمن يمشي فين
*******************

للجمال تلقى الشباك لا للملاحة، وللمعاني تسن الأقلام لا للفصاحة. إذا سُرَّ المرء بالمشاهدة فلا تسعده المجالسة، وإذا أعجزه البيان مرة، تخذله السخافة. والكلام المكرر مرات. فالخارج لا يكفي لامتلاك النفس وأسر الروح. إذ كان السر دائما في الذات. في الجوهر. في هبة التأويل. فيما يضيفه الآخر من معنى رائق، أو هامش لم يسبق إليه أحد.
الجمال كفكرة ذاتية في بحثها عن الاطلاق. تفلت من الجسد. وتبحث عن الأسمى. تراوغ التحديد. وتراود القلب الحزين. كأمل لا ينتهي بالنشوى.
فكم من امرأة تحسب آية في جمالها وفي تناسبها وملاحتها ومع ذلك غير جميلة .. اذا سُر امرؤ بمشاهدتها مرة او مرات فهو لا يتمنى مجالستها ويمل كلامها وسخافتها بعد ان يعرفها قليلا .. اذ يرى أن أحسن ما فيها هو هذا الشيء الخارجي الذي لا يكفي لامتلاك القلوب واكتساب الارواح*

شابة يا أم الشعر ليلي
والجبين شق النهار
والعيون شطين أماني
والخدود عسل ونار
واللوالي في ابتسامتك
يحكوا أسرار المحار 

يائس لا أمل من اجتذاب الأرق، متألم لا يسعني التفكير بصفاء، صبور بلا شيء، أستجدي الأشياء الكاذبة، وأنتظر انقضاء العقارب من دورتتها، لكنها لا تنتهي، كمشقة الطريق الذي امتد امامي، حاملًا الشوك وواهبًا جسدي للتآكل، انتظر الخلاص والاحتراق، وأتطلع إلى الأسمى.
يا اللي ساكنة القصر عالي 
امتى يهنالي المزار 
كلميني يا صبية 
طال عليا الانتظار
***************
كلمتين يا حبيبتي يمكن 
هما آخر كلمتين 
حد ضامن يمشي آمن 
أو مآمن يمشي فين

كصنم ابراهيم -عليه السلام- الأكبر المتكسر، لا يزال الحب صنمًا اخيرًا شامخًا في سماء المُثُل، ما بين تخفف من أحمال العصور الوسطى والماهية التي تسبق الوجود، وبين البحث عن حمل في عالم سائل بلا قيمة مركزية يمكن ان يغزِل فيها شرنقته الخاصة، يكفي الحب أحيانًا ليؤسس المعنى الذاتي، والجدوى الشخصية في سياق عالمي يقترب يوميًا من العزلة اكثر. وفي إطار اجتماعي يفرض نفسه ومتطلباته كحد ادنى من السخافة. 
أؤمن بالحب كقفزة ايمانية وجودية كريجاردية، بلا سبب، وبلا تحدد، كحقيقة صوفية لا تنتمي إلى العالم الحسي الذي أنتمي إليه، حقيقة حدسية تُلقى، ولا تجتذب. لا يمنعها إلا انتظار تَمَهُد الطريق، ونقاء نفس السالك ورغبته الشديدة في الاحتراق، والتكشف في المدارج المُهلكة.
آدي كلمة من عذابي 
قلتهالك باقي كلمة 
من حنيني صنتهالك 
في الضلوع من دنيا ظالمة 
كنت خايف يلمحوها 
يقتلوها في سكة ضلمة 

في عالمي لا توجد أمواج. هناك فقط بحر ميت بلا تيار. لا يظهر له شاطئ. أعاني فيه من الحنين والتوق وأنتظر فيه أملًا يائسًا في الخلاص.أقلب جسدي ناظرًا إلى أسفل، تغمر المياه وجهي، واكتم انفاسي، محاولا الغرق. لكنه لا يأتي. وللدهشة أرى وجهك أمامي باسمة الثغر، مشرقة الوجه. ولا يسعني إلا أن أعود ميمما وجهي إلى السماء لأمعن النظر في النجوم الساحرة. وأتلذذ بالهدوء  والسكينة وتلك السعادة الغامرة في حضرتك.
شقشقت والنور بشاير 
زهرة الصبار يا سلمى. 

لم آت لألقي عليك سلاما، وإنما جئت لألقي عليك كلمتي. وأتلو قصيدتي. وأعيد ترتيب الوجود. 
فلا ترحلي. وتعالي إليّ. وأمنحي روحي السلام. 
أبقى ضامن أمشي آمن 
أبقى عارف أمشي فين **




*الفقرة مقتبسة من سوانح فتاة لمي زيادة/ طبعة دار المحروسة 2016
** الكلمات المائلة من قصيدة كلمتين لمصر لأحمد فؤاد نجم مع تعديل طفيف 

الأحد، 7 يناير 2018

على الحافة

الفقد تجربة قاسية، لا يمكن تجاوزها إلا بفقد أكبر، والتقويض ليس لك عليه طاقة، لن تشفيك موجات الاستهلاك، والأحاديث التفاهة، ولن تطهرك الآلام، ولن تبعدك لحظات التخدير الصافية. تدور السماء كما يدور رأسك، بلا غاية، لكنها لا تدرِك، وأنت مصاب بالدوار لا يستطيع أن يتوقف. روحٌ تسكن في الجسد. تتجلى فيصيبه الوهن. وتتبخر فيأكل بعضه بعضًا. ويصبح فؤادك فارغًا بلا رابط. يجعله من المؤمنين، والكون ملهاة كبيرة والحياة عجلة ندور فيها. يديرها موت. تزداد سرعتها حتى ننتشي. ويُختَطَفُ أحدُنا فلا يلاحظ الآخرون. واذا انتهت اللعبة كانت المأساة. والويل كل الويل للمشاهد من أعلى، للذي يعي تلك الصورة، فلا هو قادر على النجاة، ولا هو يستطيع التلذذ.

لا أظن أني سأستمر حتى الثلاثين، سينتهي كل شيء قبل ذلك، سأموت بلا إرادة خاصة، وستنتظم كل تلك العثرات مرة اخرى وتلتئم لتشكل حياة أخرى لا أسهر على إيجادها، ولا أجلس منها مجلس المراقب.

ستنتهي حياتي تلقائيًا. وربما أشارك في ذلك بشيء من إرادة واهنة. تحارب حتى الرمق الأخير في مطاردة أفكارك، وينزوي هو في جوانب قابلة أن تكون متنفثه الخاص، وتستجدين أنتِ العديد والعديد من الأشياء والأشخاص والمعاني لكنها لم تشفع لتآكل ذاتِكِ الواهنة اليومي. ولم تجد أنتَ ما يمكن أن تتشبث به في سبيل الخلاص.
عشت مؤخرًا حياةً فوق طاقة احتمالي، كآبتي زيفت كل الحقائق وكلما أمسكت بحبل، تخيلته فخًا، فاتحلل منه.

سيحين وقت الراحة قريبًا، صمتٌ أبديٌّ سيحل محل الوجود الضخم المعذِب، وسأنعم لأول مرة بحالة ذاتية تفرض نفسها على الوجود، تستمر تلك الحياة الفاضحة في الحركة، تدور الأفلاك والسيارات، وتشرق الشمس وتغرب يوميًا، سيستمر الجميع في التنفس لن يختلف شيء، سيذهب الناس إلى أعمالهم في الصباح، ويأوون إلى الفراش في الليل، ويتحدثون أحاديث جانبية، وجدتها طوال حياتي سخيفة، ولم أتأقلم معها أبدًا، سيستمر الأصدقاء في التجمع، للحديث، لللعب، للمزاح، للتدخين، للغناء، للعبث.

بينما أنا أنعم بالثبات واللا حركة. سيغيب العالم عني كما سأغيب عنه. لن أراقب تلك السرعة. ولن أحاول قياس التغير مرة أخرى. سيجري النهر كما أراد. ولن أُضطر إلى نزوله. حيث سأتعفن في مكاني بسلام. ستأكل الديدان جسدي كما أكلت روحي الأيامُ. وستدثرني الرمال كما دثرت حياتي الكآبةُ.

آن لجسد هزيل حافظت على سلامته طوال الواحد والعشرين ربيعًا أن يرتاح. جسد لم أؤذيه قاصدًا من قبل، ولم أتعنت في اصلاحه أو مداواته، حافظت على رئتيّه ورديتين كما خلقتا، ولم يتسلل إليهما شيء من التدخين، ولم يصل إلى الكبد شيء من الخمر، لم يتورط قلبه في علاقات مستنزِفة، ولم يستَنزِف أحدًا يومًا ما، حافظت على صفوه قدر استطاعتي. ولكن -رغم ذلك- غرقت الروح في بحر غامض ليس له قرار، بينما ظللت أنوح عليها كل يوم. وأستجديها في كل موقف أنّت له يومًا. أو ربطت بينهما علاقة. كانت تستجيب وترحل سريعًا بلا أثر. حتى اختفت نهائًيا.. دفنتها الأيام. كما سأدفن يومًا ما. ماتت غرقًا بينما سأموت اليوم من العطش.

الموتُ هزيلٌ، يقتات من حكايا الخوف، ويتفرعن من حب الحياة، لكنه ضعيف، وواهن، وغير حقيقي، وغير مفعم بالسوداوية. ها أنذا سوف أقفز. أرى في عينيه الذعر، وأعلم أن في عيني شيء من اللامبالاة.  هو وجه العملة الآخر للحياة. الغياب في مقابل الحضور، الشعور في مقابل البلادة، لكنهما من معدن واحد عابث. لم يُصك كما عليه أن يفعل.

تغدو الحياة على الحافة ممكنة ما بين الوجود والعدم، يصبح الاختيار حينها ممكنا بين الحياة بتعابيرها المختلفة. والموت بكل ما يحمله من أجوبة وجودية، ومخاوف لا نهاية لها في الحياة. القفز أو العودة. قبلة الحياة أو حتمية الموت.
في عالمي لا توجد حواف!  هناك فقط أفق شاسع، يتآكل الضباب فيه كاشفًا عن صمت هائل.


صورة جثة أحد الأشخاص قبل دفنها، وكانت تلك عادة منتشرة في العصر الفيكتوري 


حينما أختار موتي لا أموت
لا يموت المرء إلا مقسرا
حينما يختارني موت أموت
من يختار لي أن أجبرا
-أمل دنقل-

الجمعة، 11 أغسطس 2017

شيء عن الحب

يَا لها مِن لَحظَةٍ مُدهِشَة
حِينَ تَجَلَّيتِ أَمَامِي
كَحِلمٍ مُشرِقٍ خَاطِف
كَلَمحَةٍ مِن الأُنُوثَةِ المُكتَمِلَة

عالم المُثُل فكرة يكتنفها الغموض، وتفتقد إلى الكثير من الخطوط العريضة، أطلقها أفلاطون قبل آلاف السنين، وقُتلت على يد تلميذه النجيب أرسطو، لكنها لم تبرح أفئدة الشعراء، ومخيلة الأدباء.
يتصور أفلاطون أن الحياة الواقعية بكل أشكالها، المادية والمعنوية، والروابط بينهما، ما هي إلا ظلال لوجود أكمل، انفصلنا عنه بشكل من الأشكال، وأصبحنا هنا. في هذا العالم لا يوجد إلا الآلهة، فلا شر ولا نقص ولا عجز، وكل ما نعرفه في هذه الحياة الدنيا، موجود بشكل كامل في عالم المُثُل.

واحدة من أكثر أفكار أفلاطون ارباكًا هي فكرته عن الحب، اعتقد أن الحب هو سعي نحو الكمال، وخطوة حقيقية في سبيل الحقيقة الصوفي، ففي عالم المُثُل كانت هناك كائنات متكاملة، بلا جنس متمايز، كائنات تحمل الجنسين وتمتلك أربعة أذرع وأربعة سيقان، ورأسين، عاقبها الإله بالانفصال، والحب ما هو إلا إعادة لم الشمل الحقيقي.

تؤكد فكرته، سلبًا، أن الشريك المثالي محدد مسبقًا، لا يكفي أن نبحث عنه جيدّا من ضمن مجموع البشر، بل علينا أن نتأكد من الاختيار، الذي يعاني من نسبة نجاح ضئيلة للغاية، كما تؤكد حقيقة عالم المُثُل أن مسعى الكمال سيظل دائمًا يعاني من النقص!.
ويتجلى الإرباك حقًَا في عملية الإدراك لطبيعة ما يُحاول أفلاطون حصره، فقد تحدث عن الحب بشكل لم يتفوق عليه أحد، وحكم على كل المحاولات بالخذلان.
 هل نُحسِن فعلًا الاختيار؟!، وهل من العقل أن نختار في ظل امتحان محكوم عليه بالفشل؟!، هل نسعى إلى الكمال بإيمان أن المصير محكوم بالنقص؟!
لقد تُركنا هنا.. بلا طرق وبلا إرشادات.. وكل الأصوات تنادي: هيا!
ولكنّي لا أملك سوى ان أدون عجزي عن المسير.

"أيا صديقة..
على وجه اليقين لا أعلم ما الذي ينتابني، ولكنني أفكر فيكِ كل يوم، وأتذكر أحاديثنا في كل لحظة، وكأن طيفك لا يبرح مكانه بالقرب مني، وكأنه لا يعبأ لرحيلك، وطول المسافات التي تقبع بيننا.
 أخوض غمار المجهول ولا أعلم كيف أصف أو أفسر.

 لو أنني أحببتك مثلما يُحب الناس لوهبت لعينيك مجازًا تردده الألسن في أنحاء العالم، وتتأوله الأفهام في كل الأصقاع، وتُقسم به الأنفس آناء الليل وأطراف النهار، لأهديتك مجازًا كرؤياك وتجليك خلال أيامي، ولجعلتك رمزًا لهذا العالم، الذي لم أشيده لكني أحس تجاهه بما هو أسمى من المحبة. من خلالك عزيزتي أرى العالم صافيًا هادئًا وقابلًا لكل ما أريد قوله، وأمام عينيك تتكشف لي حقيقة نفسي، أراني ضئيلًا وياللعجب لا أشعر بالحزن أو بالغضب، أشعر فجأة برغبة حارة في احتضان نفسي، وقوة في أن أبتسم في ظل وحدتي، تؤانسني صورتك، وتملأ أركان قلبي، فلا يسعه أن ينشغل بشيء وفي حرمه بعض منك.

 لن أقول فيك نصًا واصفًا فمن ذا الذي يقدر على وصف هذا الجمال، وأيضًا لن يكون حديثي حقيقيًا بلا مجاز فتتنازعه الناس ويختلفوا من حوله. سأنشدك شعرًا دون أن أعيّ في بيانه، وسأقف في حضرة جلالك أرافع عن قضيتي دون أن أحصر. متطهرًا من كل ما أملك، ملقيًا كل أحمل، متخليًا عن ذاتي الضعيفة الواهنة، التي لا تستطيع أن تحلق ما لم تهبي لها قبسًا من الروح."

تحت الأرض خليكي
بركان يتغزل فيكي
خلّي الجذور تحميكي
بترجى فيكي

الاثنين، 15 مايو 2017

أحببت شيئًا ولم أملكه


يخيل إليّ أحيانًا أن مقصد الكاتب هو الأهم في كل مرة ومع كل نص. فرغم بساطة ما يمكن أن تبديه الكتابة من معنى فما تخفيه دائمًا أعظم. فما الذي يملكه الكاتب في جعبته يستحق أن يقال؟!

في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات بدأت في النشر في مدونتي العزيزة، لا أتذكر تلك اللحظة بالتحديد التي حاولت فيها أن أعيد صياغة الأمور من حولي، صياغة تتناسب مع ذوقي المتردد دائمًا في قبول ما يقدمه لي العالم والآخر، كما أنني لا أتذكر سببًا أساسيًا دفعني للكتابة، غير إحساس ضئيل بالتجربة والشغف للتعبير عن شيء لم يُحدد منذ البداية.  بأسلوب ردئ وبفكرة مشوشة انطلقت في رحلة الكتابة.

كحال كل المفاهيم  الذاتية التي تنبع من الوجدان، تغير معنى الكتابة، كنت في البداية أدون الأحلام، وأحبك الخيالات، وأحلم بوجود عالم آخر، يُمكن أن أبوح فيه بشعوري، أو أبادل فيه من أريد بما أريد، عالم لا يُمكن أن يُسكت الخجل فيه شيء، ولا يمنع الخوف فيه شعور، كنت أُدون صراعي الأول، الذي ظننته وقتها صراعًا مفعمًا بالصليل، والكر والفر ولكنني عرفت في النهاية أنه لم يكن كذلك.

كانت كتابات مشوبة بشيء من الحزن الغير مفسر، ورسائل لم تكن لشخص محدد، وكأني بكتاباتي هذه أحاول أن أفسر طبيعة ما كنت أقوم به وقتها.  أتذكر أحيانًا أسباب ذلك الحزن فأبتسم، وأستعرض حياتي وقتها فأضحك. كانت الكتابة وقتها أداة من أدوات الفهم، ووسيلة لقراءة ذاتي وواقعي، كانت كتابات حقيقية في وقتها، مفعمة بسذاجة المحاولات، وبساطة الأفكار، وحاجة الإنسان الملحة لاكتشاف وتدوين كل ما هو غريب.

كتبت ياسمين أكرم مرة.. وأقتبس من المعنى هنا "أريد ان أكتب كما يكتب الرجال، أواجه العالم بشجاعة، ولا أتعثر في ذاتي"
عقب خروجي من الاحتجاز انقطعت عن الكتابة، كان قرارًا إراديًا نابعًا من رؤيتي للكتابة، الكتابة محاولة هادئة ومستقلة لاكتشاف الذات والعالم، من غير الجيد أن يتم شحنها بالغضب والكراهية، أو بالأغراض السياسية المختلفة. كنت غاضبًا ومشحونًا إلى أقصى درجة، فآثرت أن أبتعد وأواجه.
طالت فترة الانقطاع وتحول كل شيء، خسرت صديقتي العزيزة، ودار العالم من حولي، أصبح انقطاعي بلا إرادة، وانتقل من كونه قرار إلى كونه حالة من اليأس، وكأن الكتابة هي محاولة لمواجهة العالم بأبعاده كلها، مواجهة ذات عبء ثقيل لا أتحمله أبدًا، انتهى الأمر لقد فشلت في مواجهة الواقع، فلا داعي للكذب من خلال الكتابة.
في الماضي كانت الكتابة مهنة.. الآن أصبحت الكتابة إجابة..!

أكتب الآن بلا غاية مسبقة، أكتب بإرادة خالصة، تلتصق بكل نص على حدة، تتشكل له بصورة مختلفة، أحيانًا أكتب لأني غاضب، أحيانًا اكتب لأني أريد ان أقول وفقط، أحيانًا أكتب لأن هذا واجبي، وأحيانًا أكتب لأني فاشل في كل شئ. لا يوجد غاية أساسية ودافع يجمع كل تلك الرغبات، غير أن تلك العشوائية هي أفضل ما يُمكن أن يُعبر عني الآن. لا أكتب كي أصارع وأثور وأكافح.. أكتب فقط لأني أحيانًا وبرغبة مضطربة أريد هذا..!

أريد أن أكتب عن شئ .. أي شئ .. كل شئ

الأحد، 30 أبريل 2017

غنوة للموت II

في زمن بوذا كانت هناك امرأة في ريعان الشباب تُدعى (كريشا كوتامي)، رزقها الله بمولود صغير، يملئ القلب سعادة، ويمنح الروح السلام، ويغمُر الأيام بالتجدد، والحياة بالمعنى. عاشت في ظل ذلك الهناء شهورًا لم يُكتب لها أن تُتم العام الواحد، حتى جاء المرض ينهش الجسد الصغير، ويرقده الفراش لأيام، ولم يتركه إلا وقد أسلمت الروح نفسها للموت، وأخذت معها كل سلام في قلب الأم. وأصبح فؤاد (كريشا) فارغًا تقضي الأيام في الطرقات حاملةً جثة الصغير الهزيلة، تلتمس بها السائلين، وتجوب الأروقة، مسحوقةً بالحزن، مكبلةً بالألم، تتوسل كل من كانت تلقاه أن يشير عليها بكيفية تعيد بها الحياة لهذا الصغير. لم تعبأ للمتجاهلين وناعتيها بالجنون، وظلت تبحث وتسال المارة، حتى نصحها رجل حكيم بالتوجه إلى بوذا نفسه، فذهبت إلى لقاءه، ووضعت الجثة الصغيرة أمامه وحكت له مأساتها، فاستمع إليها بمنتهى الشفقة، وقال بهدوء: "ليس هناك إلا دواء واحدًا للداء الذي يُؤرقكِ، انزلي إلى المدينة، وعودي إليّ بحبة خردل تكون من بيت لم يعرف أبدًا أي ميت.."

طرقت الأبواب رغبة في العثور على الدواء، وتاقت نفسها للرجوع إلى بوذا محملة بالإجابة، ولكن الإجابات ظلت كما هي، فبالنسبة للخردل فليس هناك أي مشكلة، لكنها لم تجد البيت الذي بإمكانه أن يعطيها الخردل بالشرط الذي وضعه لها بوذا، وبنهاية اليوم كان التعب قد أنهكها، وقد طرقت معظم الأبواب. ولا أمل في العثور على الدواء. فصعدت إلى بوذا لا تحمل إلا اليأس، فلا أمل لعودة الصغير إلى الحياة، ولا جدوى لبحثها الحثيث.

العودة بالدواء..
تتخذ الموعظة من تلك القصة مركزيتها في عودة المرأة إلى بوذا محملةً بالإجابة الحقيقية الوحيدة، فبكل ثقة وامتلاء عادت المرأة وهي لا تؤمن بشئ قدر إيمانها بالتقلب واللادوام، وأن المؤرِق الحقيقي لها هو ذلك الأمل، والتوقع بامتلاك العالم وامتلاك معناه وحقيقته، فالحكمة تكمن دائمًا في أن نتخلى عن كل ما هو زائل وغير حقيقي، تكمن في التخلي عن كل ما بإمكانه أن يُفقد، وكبوذية خاشعة آمنت أن اليأس هو الإجابة، ولا طريق للسعادة إلا من خلاله..!

إذا حاولنا استعادة القصة مرة أخرى، سنجد أن المرأة كان عليها أن تتوقع شيء آخر في البداية، ففي بداية هبوطها إلى المدينة كانت تتوقع دواءً من نوع آخر، دواء بإمكانه أن يُعيد الحياة إلى رضيعها مرة أخرى، فهي لم تبحث عن معنى في البداية قدر بحثها عن إجابة محددة ودواء لغرض معين، وحكمة بوذا كانت تهدف لكشفها عن رمزية هذا الفقد، وهل بإمكانه أن يكون في صالحها، ثم كانت هناك مرحلة من العناء لبلوغ هذا الغرض، ومرحلة في المنتصف بالتأكيد بدأت فيها التساؤل عن مكانتها المتسائلة الحقيقية، مرحلة "لماذا بإمكان الموت أن يختطف الصغار؟!" ثم مرحلة التسليم التام، "من أنا كي أضع قواعد للموت؟!" ومن ذلك السؤال الأخير بدأت في بناء قناعتها باليأس المضاد لكل تعلق والمضاد لكل أمل، فمن هذا الأمل يأتي الشقاء دائمًا.

لماذا الأمل ضروري؟!
القناعات المركبة دائمًا بحاجة لمضاد يبررها، هل كان بإمكان المرأة أن تصل إلى تلك القناعة إلا بقناعتها الطموحة السابقة، وعنائها الذي باء بالفشل في النهاية، هذا اليأس لا يمكن أن ينمو إلا بفشل شخصي، فشل نطبع عليه مكانتنا الوجودية من هذا العالم. اليأس إذا غير مبرر في ذاته ولا يُمكن أن يُخلق إلا في ظل أمل يبرره، ويقتات عليه، فالحياة وفق الواقع تقتضي أن نؤمن بتجربة العنفوان، والامل والتمسك القوي بالحياة، لأن هذه الهشاشة التي تحكم الحياة، لا يُمكن بحال من الأحوال أن تُكتشف إلا بتجربة شخصية.

الحياة وفق الموت..
رغم إحاطة حقيقة الموت بالموجودات كلها، فهناك اختلاف في تصور الفكرة وإدراكها وتقبلها، فالانسان يتميز بقلقه الوجودي، وتتمايز أفراده في مقدار ما يشكله الموت لها، لذلك اهتمت الحكمة القديمة أن تستوعب الحياة في إطار الموت، وجاءت الأديان لتؤكد أن الحكمة كل الحكمة هي في تقبل الفناء، واللادوام، وأن الموت حقيقة لا يُمكن الفرار منها، وهذه الحقيقة هي المُعطى الاساسي في عملية فهم الحياة، فالسعادة مرتبطة بتقبل الحياة كما هي، وبفنائها، وبالتخفف من أحمالها.



الثلاثاء، 11 أبريل 2017

كنس مدخنة

حينما نريد أن نتحدث عن شئ ما، نحاول في البداية حصره وتأطيره، واكتشاف سياق يمكن أن يوضع فيه، ونشرع في الحديث عنه بعد ذلك. هذه العملية تُهمل أجزاء كثيرة قد تبدو للمتكلم ليست ذات أهمية، لكنها في الحقيقة تُشكل جزء من الاكتمال -على الأقل بالنسبة للمستمع-.
ما أريد قوله هو أنه لا يُمكن بحال من الأحوال أن نصف بشكل متطابق، نعم.. قد نقترب من المعنى، ونعم.. قد يصل هذا الاقتراب إلى المستمع، لكن محاولة الادعاء بأن هذا الكلام يطابق هذه الحقيقة هو من مجال المبالغة الفجة، إن قدرتنا نحن كبشر على مطابقة الحقيقة من خلال الكلام هراء وسخف، وحالما ندرك هذه الحقيقة يتمثل لنا سؤال الحقيقة بكل خيلاء... ما هي؟! وهل بامكاننا أن نحصرها؟! هل بامكاننا أن نتجاوز ما نسميه الحقيقة؟!
هذا بسيط للغاية لكنه جنوني لأننا حالما نعتبر الكتابة وصف رمزي للواقع، لا نعلم أيعني هذا أن الواقع أكبر من ذلك الرمز، أم أن الكتابة ليست سوى تعبير عن علاقات عابرة تافهة سعيدة!؟

"أستيقظ فأعود إلى الرتابة.. إلى اللاشئ.. لم أقفز بعد إلى هاوية، أنا على الحافة. لم تكن نهايتي إلا سراب، نهايتي أصبحت مألوفة أيضًا، كمخاوفي وهروبي، عقلي يتصارع بعنف، بلا حياء، بلا استئذان، أقف في منتصف الصمت، لا صوت قبل، ولا صوت بعد، لا أعلم ماذا أسمي هذا، لكنه ليس الصوت، ليس الضجيج، ليست الحركة، لا أراني، لا أسمعني، ولا أشعر بالألفة. وكأن شيئاً لم يكن.
 كأني لم أتخيل انتحاري بالأمس، كأن الدماء لم تُغرق ذاكرتي بصمت، كأن اللون الأحمر الداكن لم يتسرب ببطئ إلى عيني، كأنني لم أبك على ما فات، وما سيكون، وما يقف في المنتصف شاهدًا على ما حدث. هذا الذي ليس لي ولا أملكه، ولا لغيري ولم يعادني، لكنه صديق مؤرق، يقتطع الملذات، وينغص عليّ أوقاتي بالألم، وينتظر.. مثلما أنا دائماً أنتظر.. أشعر بقطرات ساخنة على خدي، فيدب في نفسي الحنين، وأبكي على ما حدث.. وما سألاقيه!"

أستيقظ تلك المرة وأفتح عيني على الواقع، أتأخر على ميعاد العمل، أكافح كي أصل، لأحصل في النهاية على عقوبة تأخير مغرية، أجلس لأنتظر انتهاء دوامي، لأسير في الشوارع بخطوات واسعة مسرعة.. إلى أين لا أعلم، إلى المنزل غالباً.. أعود إلى المنزل، أعد طعامي أختار ما أنا معتاد عليه، لا أغامر بوقت الطعام، ثم أنزوي إلى سريري كالعادة.. أنام لاكثر من عشر ساعات، لأستيقظ مرة أخرى على دوام عملي.

بالأمس كانت المرة الأولى التي أُفكر فيها بانعدام المعنى، انعدام يشمل كل شيء، يبدأ بكل تلك التفاصيل وينتهي إلى مجموعها، ليس بإمكاني أن أصف بدقة شعوري حيال ذلك، فأي وصف هو في النهاية محاولة للتوضيح، وأي محاولة للوضوح تجربة فاشلة لخلق معنى..!
حينما لا أكون على عجلة من أمري، حينما لا يزعج قلبي أي احساس، حينما ألتقي بغتة بنفسي في الطرقات، تراودني عنها وتدنيني منها، في تلك الأوقات الضئيلة التي لا يؤرقني فيها شئ أشعر بالحنين الجارف وأشعر بتآكل كل شئ داخلي من خلال ذلك الجموح، أشعر بتنامي احساسي بافتقاد الحاضر، وافتقاد الغضب والحماس والطموح، والفرح، والأمان.
لا يمكن إجمال ما أريد قوله إلا باليأس، أعاني من اليأس، وتقطع السُبل. أحاول أن أتمسك بصورة من الماضي، لكنها تتخلى عني ككل الأشياء، أحن إليها بشدة، أعلم أنها صورة لكني أعلم كذلك أني لا أحن إلى شئ قدر ما أحن إلى هذه الصورة.
أين تضيع سنوات الانتظار؟ لا أعلم!
 لم يشفع لي شئ أمام هذا اليأس، لا القراءة ولا الكتابة ولا المحاولات الحثيثة لإدراك اللحظة الراهنة، حتى إيماني المتخاذل دائمًا الذي ظللت أحفظه من كل سوء، وأُنميه وأسقيه من بنات أفكاري، انتهز فرصة ضعفي وهرب!


الجمعة، 31 مارس 2017

عزاء يشبه المقدمة

كيف لي ان أقدم نصًا..!
لدي مشكلة عميقة مع المقدمات، كلما أردت أن أكتب عن موضوع  لا أجد البداية المناسبة، وإذا وجدت تتبخر الروابط، وإذا تشبثت بها -أو بالأحرى تشبثت هي بي- أنسى ما كنت أريد قوله.
 ابتعدت عن الكتابة لما يقارب العامين بسبب العجز عن التقديم، العجز عن تشكيل الروابط، العجز عن الالتفاف حول فكرة أساسية، ظننت دائمًا -أصبح اعتقادًا مؤخرًا- أن تمثيل المشكلة الوجودية المؤرقة للإنسان طوال العصور بالكتابة تمثيل في محله للغاية.
المقدمة عضو أصيل في آلة المنطق، لا يمكن أن تبني برهانًا إلا من خلاله، ولا يمكن أن تعرض أفكارك قبل أن تتجاوزها، هي جزء من نسق يؤمن بالعقلانية، بالسرد التسلسلي، نسق لا يؤمن بفضح الكاتب ولا يفهم تعبيراته الفجة عن خلجات نفسه، نسق لا يحيا في مثل هذا الجنون. التدوين فن تعبيري ملتصق بتلك الحياة، التي لا نعيشها إلا مرة واحدة، لا تتكرر، ولا تتشابه ، ولايمكن أن يُعقلن إلا النذر القليل منها، التدوين عدو للمقدمات، فلا هو يستطيع أن يؤمن بالمجاملات والتزيين، والشفافية، ولا هي تستطيع أن تستوعبه أيضًا، بكل ما يحمله من أفكار تدميرية وكابوسية وعدمية قاتلة، المقدمات سماح للقارئ بالتدخل في خلق النص، نافذة للف المشنقة حول النص المدون.  القارئ لا ينفك في محاولات القراءة والتأويل، هذه وظيفته، لكن ليس من حقه التدخل بمعنى.
 أفلا يدعونا هذا إلى قتل المعنى، وحرقه ونثر رماده على العبارات..!

انشغلت بالفلسفة، ورفعت أستارها في حياء وخجل -أو ربما عدم ثقة-، كنت أريد أن أجد إجابة تعلل تقلب هذا العالم وتغيره، أريد أن أفهم طبيعة هذا النسيان وهذا الحزن، كيف يستطيع القَدَر أن يُشكِل نفسَه من خلالهما، كيف يتسنى له أن يعجن المصائب بمرح، ويتركها تنضج، ويقدمها لنا على طبق من فضة، كنت أتسائل عن الطريقة التي تستطيع السذاجة من خلالها أن تغير المصير، وتقلب السعادة شقاء، والألفة غربة، والسرور إلى عبوس، تساؤلات بلا أجوبة، وما كنت أسأل عنه في البداية، وجدتني أسقط في دوامة من التساؤلات التي تقبع خلفه، فكلما سألت سؤالًا أجد آخر ينتظر قبلًا وإجابات ترغب في حسم أمرها، لا الحزن يرحل، ولا أنا أبتعد،، كل شئ مِلك يدي، أنا سيد ذاك العالم.. أضع الإجابة التي تناسبني، وأثير الشكوك والتساؤلات حول ما يؤرقني، وأجعلهما أساسًا أدور حوله وأسير من خلاله، المشكلة الصغيرة بإمكانها هنا أن تكون مشكلة وجودية، السؤال الصغير تحول إلى مركز، والطريق أصبح محاولة لحصره..!

أُغرمت بالعلاقات والروابط، كيف تتشكل الرابطة بين الأشياء وكيف بإمكاني أن أهدمها رأساً على عقب، كيف بإمكاني أن أخلق عالم متكامل من الحتميات، ثم أخرج من خلاله وأقول أنا حر.. هكذا بكل بساطة، أتكلم بدون ترتيب وأنهي خطابي بسرعة.
فانا الآن ملك ذلك الاختراق أخلقه وأسير خلاله..!

 آمنت في النهاية أن الهجر هو الأساس الذي ننطلق منه في مسار دائري بحثًا عن الذات،  لا نذهب إلى تلك الرحلة قدر ما نساق إليها، فمن ذا الذي يذهب إلى العالم الآخر بكل مرح؟! أمنت أن الألم هو الوسيلة المُثلى لإدراك مدى الاغتراب الذي ننغمس فيه، الوسيلة المُثلى لفهم مدى هشاشة هذا العالم الذي نعيش فيه، نتكأ فيه على فهم الآخرين، ومجهوداتهم، ومنتجاتهم، ووجودهم، وحبهم، أو كراهيتهم حتى، ننعم بكل ما تنتجه الجماعة، ونعيش في رفاهيتها.

 لا يمكنني أن أمجّد ذلك الزيف -ما أراهن على زيفه-، لا يمكن أن أخفض أنيني بانغماسي فيه، ولا يمكنني بحال من الأحوال أن أراهن على الفردانية بكل ما تحمله من هشاشة، لكن ليس هناك سبيل آخر..!
هل بإمكاننا ان نتصالح مع كل ما هو زائف خوفًا من كل ما هو مجهول؟!
 
 الأفضل سبيلًا وعلاجً هو أن ننزوي ونتقوقع مع أنفسنا وداخلها، محاولين أن ننتج ثنائية من أنفسنا مخاطب ومتكلم.  ففي تلك الحالة لا يمكن أن نراهن إلا على الرضا بالشئ الحقيقي الذي صنعناه، لا يمكن أن نضمن إلا ذلك.
 في تلك الحالة نحن من نصنع العالم لا العكس، ونحن من نتحكم في معايير تدخلنا مع العالم، وليس هو، إننا نمسك زمام أمورنا من خلال هذا التقوقع، في محاولة لفهم الأبعاد وضبط الحدود بين الذاتي والجمعي، من أنا؟!  ومن هو؟!.
إننا ندين للهجر بشدة لا يمكن انكارها، ندين له باعتباره سبب أساسي للبحث عن الحقيقة..!

الأحد، 28 أغسطس 2016

ما فعله النص بالكاتب

منذ فترة ليست قصيرة تركت الكتابة المنتظمة بشكل كبير، خصوصاً أن السمة الأساسية التي كنت أكتب من خلالها -سواء ما تم نشره أو ما احتفظت به لنفسي- هي الرسائل، والدافع الأساسي الذي  كان يحرضني على الكتابة هو اكتئابي، ببساطة كنت أكتب لأني غاضب. استجديت الكرام وتذللت لربة الالهام عسى أن أنال منها أسلوباً جديداً، انغمست في رحلة طويلة لمكافحة دوافعي، اعتبرت الكتابة عدو لا يجب التصالح معه، اعتبرتها عنصر تشتيت عن معركة أساسية، وسيلة من وسائل الهروب عن الحقيقة، لقد كانت الكتابة هي الحياة المترفة في وجه حقيقة الفقر.
أصدقاء وهميين، رسائل لمجهولين، أعزاء من طرف آخر لا أعلمه، كانت الرسائل هي شفائي الوحيد -كنت أظن ذلك وقتها-، كانت الكتابة بالنسبة لي محاولة في سبيل الخلاص الفردي الذاتي من غضبي وحزني، لكن ذهبت السمة وبقى الدافع.
أنا الآن لا أكتب لأحد، سأكتب عن كل شئ، لن أدع مجال آخر للتكهن، لأني سانزل جام غضبي على كل ما هو هش. .ضعيف ، لا معنى له، سأنتصر للذوات الضعيفة في مقابل السرديات اللاعقلانية، سأحترم عزلتي وأدوي كالصاعقة، لأني كما قال نيتشه "لهيب" ..!

الكتابة كتعبير عن اللاشئ
"لشئ ما عيوبه دائماً.. وحده اللاشئ كامل"
تقول نانسي هيوستن في كتابها أساتذة اليأس، أن من ضمن الخصائص التي امتاز بها المفكريين العدميين هي الكتابة ومحبة شوبنهاور، ربما تكون الثانية مفهومة ومبررة، القراءة للأب الروحي للعدم هذا أساسي ومنطقي، لكن ما ليس مفهوماً هذا التشارك على الكتابة، الكتابة هي السبيل الوحيد للخلاص الجمعي، الكتابة تتفوق على الانتحار في الخلاص، الكتابة فعل سوداوي عدمي تؤيد النهاية، وتشكل الروابط، وتنسج العلاقات المتعددة؛ كي نصل في النهاية للسرد العدمي، إننا لا نستطيع الهروب من الأفكار العدمية، إن هذه اللاعقلانية واللامنطقية التي أصبحت سمة العصر الآن لن نستطيع الهروب منها بحال من الأحوال إلا من خلال الكتابة، الكتابة هي عزاء العدمي في معركته المستمرة ضد إرادة الحياة، لأن العدمي يستطيع في أي وقت أن ينتحر هكذا ببساطة، لكن هذا شئ لا يليق بشرف الانتماء لفلسفة شوبنهاور، فعلينا بدلًا من أن تخلص من هذه الفرديات الضئيلة المسماه حياتنا، علينا أن نسعى للخلاص الجمعي المتمثل في إفناء هذه الحياة البشرية السخيفة، ولذلك على العدمي أن يقاوم دائماً رغبته في الانتحار كما يقاوم الجندي الهروب من المعركة، هذا الطرح يضعنا في إطار آخر.. وهو لماذا نكتب؟!، هل نحاول فعلاً الخلاص من خلال الكتابة، أم أن أفكارنا الكامنة تؤيد العدمية دون أن نعلم؟!!.


التدوين..
علينا في أي نص نحاول كتابته أن نتقيد بشكل من أشكال الالزام اللغوي، وحتى الذين حاولوا أن ينسلخوا من اللغة قدر الامكان مثل صامويل بيكيت، اشتركوا في كتابة رمزية فقط. لأن الشرط الأساسي في النص المنشور أن يفهمه قارئ، تقول ساخراً: بالتأكيد!.
لكن في حالة التدوين لأنفسنا نحن لسنا ملزمين، لماذا عليّ ان أصنع شكل من أشكال الترابط في النص إذا كنت أنا صاحبه وقارئه؟!، لماذا علي أن أبرر أفعالي طالما انا أعرفها أو أعرف نفسي جيداً؟! اني هنا لا أحاول أن أستنكر وأعترض قدر محاولتي لفهم هذا الشئ المثير للاهتمام، وهو خلق الناس الروابط لأنفسهم؟!
من نحن؟!.. لا أعلم.
إننا نؤكد في كل تدوين أننا لا نعلم من نحن، إننا نتغير، نؤمن بهشاشة معرفة أنفسنا، فمع مضي الوقت لا نكاد نعلم كيف كنا في السابق، إننا نتخيل انفسنا في الماضي لكننا لا نعلم.. حقاً لا نعلم.. ولذلك نصنع روابط لانفسنا المستقبلية لنضيق لها مساحة الخيال، أو لنصنع لها طريقاً أقرب للواقع منه للخيال، إن قيمة النص تكمن في المعاني التي تقف خلف هذا السرد، فكيف لنا ان نتكهن بمعرفة هذا المعنى في وقت كتابته، يا للسخافة الكاتب يكتب ليقرأ بعد فترة من الوقت، لكنه يكتشف أثناء القراءة أنه حقاً لا يعلم عن هذا الكاتب شئ.. إننا نضع لانفسنا أدلة. الكتابة هي تسجيل التداعي..! 

تبرير الكتابة 
أقع دائماً في ورطة التبرير، لماذا أكتب ؟! لماذا أتكلم عن الكتابة أكثر مما أمارسها؟!، أنا لا أكتب منذ حوالي سنتين، لكني لا زلت أفكر في بداية مناسبة، وهذا ما يصنع الخلل والتردد والحيرة، أنا أرى الكتابة بشئ من الكمالية، شئ من المثال النبيل الذي يسعى الانسان إليه، الوسيلة النبيلة التي يتصل من خلالها الانسان بالماضي والحاضر، ويعبر عن أخطائه البشرية وكل ما يتصل بها من أشياء، وأفكار، وآلام، لا أستطيع منع نفسي من الانتقاد، كل شئ.. الأسلوب، الكاتب، افكاره، سرده، معلوماته، الوعاء الفكري والفلسفي الذي انطلق منه، كل شئ قابل للجدال، كل شئ قابل للانتقاد، ربما لأنه سئ جداً، أو لأن كاتبه لا يعلم حقاً ما كتب!، النقد والتمحيص والتحقيق وراء الكاتب، هو ما يصنع من الانسان أفكاره، هو ما يحفز قيمة الغضب والجلد والرغبة في الأحسن، هو ما يمكن أن يقلب عالم الثقافة الراكد، لكني ما إن أشرع في الكتابة حتى أقع في أخطاء أشد من التي أتصيدها..!

الكتابة كتنفيس عن الغضب..
الكتابة فعل يقوم على ارادة، هي ليست فعل سليقي كالشعر، لا يحتاج الانسان فيه سوى أن يمتزج شعوره برغباته وأفكاره ويبدأ في التعبير عن نفسه في سيل من التراكيب والمفردات المكونة في عقله، والشعر إن لم يخرج سليقياً فقد انتفى منه جانب مهم من جوانبه،  رغم ان هناك من الشعراء من كان ينقح شعره، فيخرج في كل عام قصائده بعد تنقيح شديد، -مدرسة الحوليات مثلاً-،  إلا أن الشعر يكون أفضل وأجود كلما كان سليقياً، والنسق الشعري ربما لا يريده الشاعر، فقد يرمي إلى معنى، وتكتشف أنت معنى لم يخطر على باله أبداً..!،  اما الكتابة فهي بحاجة للارادة، ارادة أن تقول ما عندك، وقدرة بأن تعبر عنه، وفن بأن يخرج كما تريد، وبلاغة أن تصل إلى القارئ كما تريد فعلاً أن تصل، لذلك لا تستطيع أن تصبح كاتباً بسهولة، لذلك تصبح القيود في النص عند الكتابة أكثر، ولذلك لا يمكن لكاتب أن يكتب إلا إذا راجع ما كتب، وأن يفكر في المعنى وما يمكن ان يشكله من معاني ما ورائية، وأن يفكر في ترابط الأفكار والألفاظ، وما إن كانت تشكل نفس المعنى الذي يرمي إليه أم أن الأحداث فقط ليس لها علاقة بأي شئ، وحال تجاوز كل هذه السجون، تدرك في النهاية ان الكتابة لا تخفف عنك وانما هي تقسّي قلبك ليجعلك تواكب ما تستقبله من مصائب، فالكتابة ليست فعل نسيان وإنما الكتابة فعل تذكر، الكتابة ليست وسيلة من وسائل التحرر، لكنها وسيلة من وسائل الحصار، حصار المجتمع لذواتنا المتفردة.. يا للمأساة..!

الخميس، 19 نوفمبر 2015

الاستقبال.. التهيئة. الماهية

أظن أن تهيؤ الانسان لاستقبال وتقبل معرفة ما، مع سابق إقرار نواياه وتوجه كامل ادراكاته، ما هو إلا تمهيد لفتحٍ يفتحه اللهُ على قلبه، فإنك إن كنتَ تريدُ أن تتقرب إلى الله حقَ التقرب، أو أنك  تحب أن تعرف الله خالص الحب، فستتكشف لك الوسائل لذلك.
ووسائل معرفة الله لا تكون إلا بالخير، وبالخير وحده نعرف الله.
وأما الشر فهو انتفاء لوجود الخير، وهُو بذلك يؤدي إلى سبيلين إما أن يَطمس الشرُ على قلب المرء فلا يستطيع إدراك الحقيقة، ولا تستكمل رحلته؛ وذلك لتهيئة في نفسه لهذا الشر، وإما أن تدركَ النفسُ أن الشرَ شرٌ، فتنزع إلى نقيضه وهو الخير، ومن عَرفَ الشر حقاً، نَزَعَ إلى نقيضه. والشر لازم من لوازم وجود الخير، مؤكدٌ لوجوده.
وأما عن التهيئة فهي ليست منحاً إلهياً في ذاته، وإنما المنح الإلهي يكون في التوفيق، وحسن الرأي وصوابه، فالتهيئة الخبيثة لإستقبال النفس الشر إنما هي من عمل الإنسان، أما التهيئة الطيبة لإستقبال الخير فتكون باجتهاد الانسان وتوفيق الله له في ذلك؛ لأن الشر لا يأتي من الخير المحض، والله هو صانع الخير، فلا يصدر عنه شر، ولهذا فإن الشر لا يوجد بشكل محض وإنما هو لازم من لوازم تصورنا عن الخير، فهو ليس مفهوماً بقدر ما هو اصطلاح لادراك نقيضه؛ وهو يكون بسبب اختلاف تصور الأشخاص، أو بسبب زيادة في حد ما أو حصر في حد آخر، وليس الخير المحض كتصورنا البشري عن  الخير المحض، فعلى الرغم من ان الشر ليس صادر من الله، إلا أن الله يعلمه، فهو العالم الأعلم، الخالق للجنة والنار، دار ومصير الناس حسب أصنافهم، شقي وسعيد، ولذلك فإن العلم بالخير والشر وتصوراتهم المتجرده هو جزء من علم الله لا يعلمه إلا هو.
والذهاب بالقول أن حسن الرأي وصوابه إنما هو منح من الله؛ علته أن الانسان يبدأ بالمنطق لكنه لا يستمر عليه، فيدور الشخص في أفلاك من الشك والوهم، ما له فيها من نصير، وذلك أن الخطأ و الهوى جزءٌ من نفسه ممتزجٌ بها، لا يفصل عنها شئ، فإذا كان ما خرج به الانسان صواباً فهو لا يكمن بالتأكيد في رجاحة عقله فقط.
وأما آية وجود خير محض؛ فإن العالم الذي يخلو فيه الأذى تماماً يمكن تصوره وإن استحال تطبيقه، أما الشر المحض فلا يمكن تصوره؛ وذلك أن الانسان وإن سعى إلى أذى كل ما حوله، فإن هذا لا ينفي حقيقة أنه يسعى لارضاء نفسه وذاته، وإن لم تكن الدافع الأول.  وهو أمر خيّرٌ بالنسبة لهذهِ النفس، وهو ما ينفي كون هذا الشر محض. والله أعلم.

ولأن كل شئ له ماهية، من خلالها ندرك حقيقة ذاته بواسطة لوازمه، فالظلام من لوازم وجود الضوء، والضوء من لوازم وجود مصدر له، وهو الشمس، إذاً جزء من من ماهية الشمس هو إصدار الضوء، ولعل ماهية الأشياء محصورة على قصر نظر الناظر فيها والمتفكر بها، فالماهية كونها ماهية خالصة، يوقن الانسان في وجودها، إلا أنها لا يصل إليها بشكل يقيني.
 إن يظن إلا ظناً.

وأحسب أن كل شئ له ماهية واحدة خالصة ومتجرد؛ واجتماع ماهيتين لشئ واحد هو قصور في النظر، واستعجال في الرأي، فالعالم كله صغيره وكبيره، أجرامه وحيوانته، ذواته وماهياته، تدور في فلك واحد، وحسبه ان تكون له ماهية ثنائية، فالماهيتين التي نصل إليهم ما هما إلا تعبير عن ماهية أخرى أكثر تجرداً وهكذا، حتى نصل إلى ماهية واحدة تتحد فيها الأضداد، وماهيات هذه الأشياء كما أسلفنا علم من علم الله، وما نظن إلا ظناً، فلا تدركها نفس ولا تخطر على خيال، ولا تَكَلَم بها أحد.  

السبت، 26 سبتمبر 2015

كل شئ هادئ في سماء المحروسة*


"من كل مجموعة من المقاتلين الأصدقاء، تتخطف المنية الغالبية في المعارك الأولى، ويبقى بعد ذلك عدد محدود، يبدو كأنه اكتسب نوعاً من الحصانة ضد الموت، يظل صامداً طيلة الحرب كلها، ولو امتدت سنوات كاملة...
وكان الجاويش (هـ) واحداً من هذه القلة المحصنة، جُند وهو في سن العشرين عند اندلاع الحرب، ولم يفته شئ من معاركها العنيفة الأولى. وها هو اليوم، محارب قديم في سن الرابعة والعشرين، يقبع خلف بندقيته طيلة ساعات النهار، وينام إلى جوارها شبه يقظان في الظلام، يصارع البق والقمل، ويداعب الفئران والجرذان.. وذلك بعد أن تجمدت المعارك في أكبر حرب خنادق عرفها التاريخ..."

كان صوت الراوي يخرج هادئاً خفيضاً، ولكنه يسري واضحاً مسموعاً في هدأة الليل وسكون العنبر..
واستطرد:
وكاد الجاويش (هـ) أن يصبح أسطورة، خاصة بين المجندين الجدد من صغار الشبان، الذين لا يزيد سن غالبيتهم عن السابعة عشر أو الثامنة عشر، وهو الذين ازدادت نسبتهم في صفوف المقاتلين في الشهور الأخيرة، كما زادت نسبة القتلى في صفوفهم لاخضرار عودهم وقلة خبرتهم في فنون القتال. وقد اشتهر الجاويش (هـ) كواحد من أمهر القناصة، لا تكاد طلقته تخطئ واحداً ممن يخطئون التحرك على الجانب الآخر من خط النار، فبين أي ظل من هياكلهم أو أي شئ من أطرافهم..."

كان الراوي يتحدث وهو ممدد على برشه، يطل رأسه إطلالة خفيفة فوق مخدته المصنوعة من "بدلة الشغل"، وهو في وضعه هذا لا يكاد يختلف اختلافاً يلحظ عن بقية سكان العنبر الممددين على أبراشهم على جانبي الطرقة، حتى إذا تلصص "غفر الليل" من "العين"، لا يستطيع أن يرى إلا نياما. وكان المعتقلون ينصتون في شغف واهتمام، إلى درجة أنهم لا يجدون عناء في مغالبة النعاس الجميل، بعد عناء يوم العذاب.
واستطرد:
"وفي يوم من أيام الربيع الأخيرة، ربيع 1918، كان الجو جميلاً، والشمس تملأ الدنيا دفئاً، والجنود يختلسون النظر إلى السماء الصافية من مكامنهم تحت الأرض... وعلى حافة الخنادق، وسط الأوحال، تبرز نبتة عنيدة او زهرة صغيرة. وحملت موجات نسيم ربيعي فراشة بيضاء، راحت تحط على تلك الأزهار الغريبة التي تمتص غذائها من بقايا البشر...
كان الصمت يلف الميدان كشأنه في تلك الأيام، وهو صمت لا يمزقه – بين الحين والحين- إلا طلقة من بندقية قناص، تجر في أذيالها صدى كالصفير، يخفت بعد لحظات في نغم حاد كئيب، أشبه بصراخ ذئب معدني صغير.. يعود بعدها الصمت المنذر يلف الروابي والتلال المجرحة التي تشقها الخنادق، وتكسوها الأشلاء والحفر، وتعمرها الأسلاك الشائكة والألغام....
وربما يصطحب صوت الطلق الناري بصرراخ ينبعثمن جندي أصيب على هذا الجانب أو ذاك من خط النار.. ولكن، مع مصي الأيام، يتعود القتلى على أن يتلقوا الرصاص في صمت وهدوء.."

صمت الراوي لحظة... وازداد الهدوء عمقاً في عنبر (1) العتيد... وتعلقت أنفاس المستمعين وهم ينصتون إلى ما يتذكره الراوي من مناظر وأحداث فيلم رآه منذ أكثر من عشر سنوات، وكثيراً ما يضيف من عنده عندما لا تواتيه الذاكرة...
وبصوت يزداد انفعالاً، ويزداد انخفاضاً، ويزداد وضوحاً في السكون الشامل... استطرد:
"الجاويش (هـ) قابع في مكمنه خلف بندقيته، وهو يرقب الجانب الآخر من خط النار بعين لا تغمض، وهو المشهود له باليقظة وإحكام الهدف.. غير أن جو الربيع الأخاذ لا يكاد يترك للشاب فرصة للتركيز.. ها هي فراشة بيضاء تعلو وتهبط مع النسمات الرقيقة الدافئة فتشد انتباهه .. وها هي تقترب فتلفت نظره –لأول مرة- إلى أن حولها نبتاً طازجاً وزهراً جميلاً متفتحاً.. وها هي الفراشة تقترب من حافة الخندق.. ويستطيع (هـ) أن يتأمل الفراشة عن قرب، بجناحيها الكبيرين البيضاوين، ويستطيع حتى أن يتبين خطوطاً سوداء موشاه في تنسيق بديع عند الحواف، ويستطيع أن يتابع حركاتها الموقعة، وهي ترفع جناحيها إلى أعلى وتضمها معاً، ليصبحا وكأنهما راع واحد كبير أبيض، يتمايل فوق مركب سحري صغير، ثم وهي تفردها فجأة، وكأنها أوزة بيضاء ترفرف خارجة من جدول ماء في قريته.
"ويمد الشاب يده نحو الفراشة..
وتتركز الكاميرا على اليد الممدودة.. يد قوية متناسقة مشدودة العضلات، تمتد نحو زهرة صغيرة عليها فراشة، وعلى تلك اللوحة الأليفة الفريدة التي تملأ الشاشة يدوي صوت طلق ناري، يعقبه ذلك الصدى المعدني الحاد الكئيب...
:ولا تتحرك الكاميرا عن وضعها .. ولكن، مع خفوت الصدى المعدني، ترتخي عضلات اليد الممدودة، وتنكمش وتذبل، وتنسحب خارجة من الشاشة، لتسقط مع صاحبها الذي أصبح جثة مكومة في قاع خندقه...
وعلى أنغام حزينة صارخة، تدور الكاميرا دورة متمردة على الميدان الغربي، الذي يعود أشد ما يكون هدوءاً ووحشة ووحشية"

وران على العنبر السحيق هدوء شامل.
وبعد أن التقط الراوي أنفاسه، واستعاد شيئاً من هدوئه، تسلل من موضعه فيوسط العبر إلى برشه في الطرف الأقصى القريب من الباب.

***
وفي صباح اليوم التالي، وبينما طابور العمل يساق إلى الجبل تحت ضربات الشوم، وبينما نجلس نحن القرفصاء في مجموعة "الدرجات" في انتظار سوقنا إلى عملنا المهين في الأوردي، أصابتني ضربة شاردة من الشاويش كامل، ولم اكد ألاحظ -بيني وبين نفسي- أنها أخف من المألوف، حتى فوجئت بالشاويش كامل يميل عليّ قائلاً ويهمس:- ماذا حدث للجندي الذي مد يده نحو الفراشة؟!

________________________________________________________
(*) هذا النص مقتبس بالكامل من كتاب الأوردي مذكرات سجين لـ د.سعد زهران

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

مأساة السيد ماكار

في البداية..
الشخصيات الآتي ذكرها  تلك المرة ليست كتلك السابقة في رواية الفقراء لفيدور ديستويفسكي، فقد تم اقتباس الأسماء والأماكن، فقط للتمثيل بمدى العلاقة التي تربط طرفي هذه القصة، ولم نجد أفضل من علاقة ماكار وماتوشكا (كما كان يدعوها)، لذلك يجب أن أنوه أن الأسماء والأحداث وإن كانت تتشابه فانها تتشابه لفرض تلخيص العلاقة ليس أكثر، وإنما بطلي التدوينة القادمة يختلفان في الاهتمامات والسن وربما الخيال، فمن الممكن أن يكون بطلا الفقراء من خيال ديستويفسكي الخالص، لكني أضمن لك أن تلك التدوينة ليست بالشرط من خيالي، وإنما تتشابه مع الحقيقة بشكل ملتوى حيناً وواضح وصريح أحياناً أخرى.. وشكراً
J


الغضب..26 يونيو/حزيران

بعد عودته من العمل، وتناول الغذاء، سحب السيد (ماكار) أحد الكراسي الموجوده في غرفته، إلى قبالة مكتبه، وجلس عليه، واضعاً أمامه بعض الأوراق البيضاء، وشرع في الكتابة.

"الآنسة المحترمة فارفارا دوبرزيولوفا...
منذ فترة ليست ببعيدة قابلت (فيدورا)
في الطريق وأنا عائد من عملي، تبادلنا التحية والأحاديث وبعض الأخبار، ونقلت إلى رغبتك في الابتعاد، وأنني أصبحت مصدراً للازعاج والاحراج، ولا يصح لسيدة ستتزوج قريباً مثلك أن يكون لها صديق مثلي، وأن خطيبك لا يؤيد أبداً أي صداقة بيني وبينك، وأنه وضع قراراً بأن نبتعد، وأنه ليس علينا أن نتبادل الرسائل او الهدايا بعد الآن، وبعدها قالت لي (فيدورا) أنه لم يكن من السهل عليك أن تبلغيني بتلك الامور، وأنك أمرتها بأن تنقل إليّ هذا القرار.

في البداية كنت أظن أني اكثر تماسكاً، وأني أستطيع أن أتحمل كل ما تقدمه لي الأيام، فقد تحملت السخرية، الكثير والكثير منها، من زملائي في العمل، وجيراني في السكن، حتى وانا أسير في الشارع، أرى الناس من حولي تتهامس وتشير نحوي، أحياناً يخفون أفواههم حتى لا أشعر بشئ، وكثيراً ما يتهامسون بصوت يصل إلى آذاني في بجاحة وتملق، لكني اعتدت ألا أهتم بما يظنه الناس عني، بالتحديد الناس الغريبة، أنا من أعرف نفسي وأنا من يجب ان يحكم عليها، هذا لا يغير من الأمر شئ، وبالتالي فإنه لا يثير أبداً في نفسي غضباً، لقد تحملت مثل هذه الأمور كثيراً، ولا أعبأ، أما العذاب الحقيقي فهو سخرية نفسي مني، تلك الأفكار التي لا أستطيع التخلص منها، في بعض اللحظات التي انعم فيها بالهدوء من الناس، لكنها تكون لحظات قاسية، فأصوات عقلي لا تكون وسط الناس بالوضوح الذي تكون به في اللحظات التي انعم فيها بالعزلة، لتطاردني دائماً وتنهش في أفكاري وذكرياتي، في النوم وأثناء تناولي الطعام وفي مكتب العمل، هذا يعد عذاباً فعليا لكني أتحمله في صبر وتجلد، فالأيام لا تتشابه بشكل او بآخر، وكذلك أحوال الناس. ولا بد أن تنتهي كل تلك المأساه.
 وأثناء هذا اتضحت لي أموراً كنت غافلاً عنها، فما كان الناس من حولي يسخرون منه كنت أنا آخر من أعلمه، فما علمته وفهمته من همس بعض زملائي في المكتب المجاور لمكتبي، أن خطيبك لم يكتفي فقط بقرراته المتعجرفة، لكنه الآن يشرع في نشر الأكاذيب عني، وقول ما لا يصح في حقي.

وفي ذلك السياق.. أنا عاجز عن إخفاء شعوري الجارف، بادانتك ادانة كاملة على ما وصلت إليه الأمور، أن أخفي مدى أحقيتي الكاملة في القول أنك المذنب الأول في كل الأذي الذي تعرضت وأتعرض له في الآونة الأخيرة، حيث إن كل ما كان يحنقني كان مركزه وسببه أنت يا آنسة (دوبزيولوفا). وحتى تتضح النوايا وتتضح الأمور، وحتى تهدأ نفسي المرتابه، يجب ان أوضح لك بعض الحقائق، لست بصدد أن أعاتبك على شئ فعلته، ربما لأنني أرغب في المستقبل أكثر مما أحن إلى الماضي، او أن العتاب لا يجوز إلا للأصدقاء، وأنت أنهيتي صداقتنا بكل بساطه، دون حتى ان تكلفي نفسك عناء، توضيح أسباب مقنعة، أو حتى دون رسالة توضح قرارك، رسالة تشفي اضطراب نفسي التي اتصور أنك تعرفينها، نفسي التي شعرت في البداية أن ذلك ليس حقيقياً، ثم ما إن اصطدمت بقسوة الانتظار، حتى بدأت في التشكيك اننا كنا أصدقاء يوما ما.

إن كان لي أن أعبر لك عن شئ فبالتأكيد سأبدأ بالدهشة، فالصدمة، فالغضب، ثم خيبة الامل، انقطاع الرجاء، فقدان الإيمان، فلا خيط يا آنسة من الممكن أن أتمسك به في تلك الفترة من حياتي المديدة البائسة، لا شئ من الممكن أن يغريني بالبقاء هنا لأحارب، أن أقاوم واتجاهل، كل هواجس الانعزال التي تنتابني كل ساعة، وتزداد يوماً بعد يوم، حتى في الأحلام، ذاك العالم الوردي، الذي أصبح ملبداً بالمخاوف والكوابيس التي اعجز عن معالجتها، العالم أصبح مكاناً يفوق احتمالات الصبر، ويالعجب أني لم أكن أتصور ذلك من قبل،فما كان بالأمس يمثل قوة، بات اليوم مصدراً للخزي ومنبعاً للازعاج والاحراج والعذاب.



لكن على قدر إيماني بأنك المُدان الرئيسي فيما جرت إليه الأحداث، فأنا أؤمن إيماناً كاملاً، بان صداقتنا كانت أصدق من أي شئ عرفته يوماً ما، حقيقية للدرجة التي من الممكن ان تجعلها قَسَم، لا شئ أو شخص من الممكن ان يحول إيماني بذلك، حتى  إذا كان هذا الشخص هو أنت، لأن صداقتنا، وذلك الشعور الجميل الذي كنت تخلفينه يا آنسة (دوبرزيولوفا)، ملكي انا، ليس من حق أحد أن يشكك فيه أو ان يسلبه مني بأي شكل من الأشكال، أو يقلل من شأنه بالتسفيه والاحتقار.
 
أنا لا أكرهك يا (فارنكا)، أبداُ لم ولن أفعل، لكنك لم تتركي فرصة أتشبث بها كي أسامح كل ما فعلتيه وكل ما تسببتي فيه، أن أتخلى عن احساس الرخص وتقليل القيمة الذي جعلتيني أشعر به، أن أتخيل أنك تعيشين ما اعيشه، تشعرين بما أشعر به، حانقة كما انا حانق، حتى الفرص الضعيفة التي كنت أتشبث بها، كنت تقطعينها بكل سذاجة وكأنك غير عابئة بأي شئ."

توقف السيد (ماكار) عند تلك النقطة، ووضع قلمه على المكتب، وأخذ يتنفس بمجهود وصوت واضحين، كمن كان  يخوض معركة لأول مرة في حياته، وفي ثواني بدات الدموع تسيل من عينيه التي أحاطت بهما هالتا سوداتان، وأمسك الورقة التي كتب فيها ومزقها بقوة، فيما احمر وجهه، وبرزت عروق عنقه وشعر صدره ببعض الاختناق، ففي تلك اللحظة كان السيد (ماكار) ينتحب وبشده. 



النص..
27 يوليو/تموز

أثناء جلوس السيد (ماكار أليكسفتش) يائساً ومجهداً على مقعده أمام الطاولة المليئة بالكتب والأوراق والأقلام المبعثرة، وهي ظاهرة تكررت كثيراً في الأيام الأخيرة، لانشغاله بمشاكله الخاصة، في وقت العمل، قرر الكتابة، وبشكل عفوي كمن اعتاد على ما يفعله، وضع ورقة بيضاء امامه وشرع في الكتابة.

"ربما الصلاة لا تكفي، صلوات الصباح والمساء في القيام وعند جلوساً وعلى الجنب، ربما القرابين لا تصلح، فقد منعها الشيطان، أو أن المقام لم يصبح كما كان، ربما الرحيل، أو غبائي، عرفاناً وتأسفاً وغضباً وكراهية، تولد شعوري الغامر بالحنين، لأمسية قديمة، للمسة أنامل رقيقة تعزف، لجسد منهك لقلب لاهث لآذان تُصغي، لرائحة قهوة نفاذه، فجوة تمتص..  تكسر.. تنتهك؛ حيثما تتواجدين لا توجد..  تتلاشى لقدومك، تنهار لابتسامتك، فتعود الحياة للمرح والحب والدموع، كرؤيا خاطفة للجمال، كبهجة.. تخطف تتابع الأيام البطئ، ياللعجب.. لا أجد نفسي وحيداً.  حتى جاء الشيطان، بعثر كل أحلامي في الحياة، فتمثلت صورتك كما لم تكن من قبل، ينتابها الضباب، يوماً بعد يوم، أكسب الأعوام بروده وعزله، مهدداً كل الآمال، محرومة من وجه الجمال، محرومة من الحياة.
 صليت وركعت واستجديت الكرام وقدمت القرابيين، ذكرت مجالس الخمر، وافتتحت بالنسيب حيناً، وقدمت الحكمة أحياناً، لا صوت، لا رد، لا اجابة، لا شفاء؛  فلا أحد يقاوم شيطان.  عادت الفجوة أكثر اتساعاً، تمتص، تكسر، تنتهك. 
وفي خضم اضطرابي ويأسي من مرور الأيام الذابلة سريعاً، قابلت الشيطان، سأل: إلى أين المسير؟، فقلت: أروح لمجالس القوم، قال: عد فلا قوم لك في تلك المنازل، فإننا قد سكناها، فلا جدوى لمسيرك، قلت: وما الدليل؟، قال: أترى بعينيك؟، قلت: نعم، فسرنا حتى وصلنا إلى أطلال كانت يوماً من الأيام منازل، وما إن هممنا إلى الدخول حتى نعقت أبوام سمراء، تعشش على أسطح تلك المنازل الخربة، فتوقفت على إثر ذلك، ونظرت جانباً فرأيت عينيه قد تطايرت منها الكراهية، فألقيت بحملي إليه، والتفت سريعاً وركضت ركضاً طويلاً، ملتمساً طريقي للعوده. 
فمن أغضب شيطاناً نجا.. ومن لبث الشيطان في بيته هالك لا مفر."

وبعد انتهائه من هذه القطعة، طوى الورقة بعناية، وووضعها بدقة في ظرف، ثم قلب الظرف وكتب عليه "إلى السيد ألكسندر بوشكين.. آملاً في رد من حضراتكم"، وبالأسفل كتب عنوناً في مدينة (ميخايلوفسكوي)، وبعدها نادى على ساعي المكتب، وأمره بأن عليه ان يوصل هذا الظرف إلى مكتب البريد سريعاً قبل أن ياتي ميعاد اغلاقه وانصراف الموظفين منه.
 
 

الواقع..30 أغسطس/آب

الآنسة فارفارا دبروزيولوفا..
غداً أهاجر سفراً بلا رجعة، وذهاباً بلا عوده، راجياً أن أفعل ما عجزت عن فعله طيلة السنوات الماضية، وهو أن أصبح تلميذاً للسيد (ألكسندر بوشكين) الشاعر العظيم.. فقد راسلته منذ فترة، ودعاني إلى أمسية شعرية في منزله بمنفاه في مدينة  (ميخايلوفسكوي)، وعلى امل كبير بان أنضم إلى مجموعة تلامذته، فقد آثرت أن انقل محل عملي إلى هناك، وقد تم الموافقة على ذلك أول أمس، وأظن ان هذا الانتقال اسعد المدير كثيراً.
قرأت يوماً أن على المرء إذا ما واجهته الحياة بالآلام فعليه أن يكون جديراً بها، ولكن يوجد شيء واحد فقط يروعني , و هو ألا أكون جديرا بالآمي*، والفترة السابقة اتاحت لي فرصة مناسبة كي أوجه آلامي لكي أنجز ما أردت تحقيقه دائماً، والفضل في ذلك يعود لك، سأغمس شعوري الغامر بالحزن لكي أخرج نصاً حقيقياً، ملتزماً، سأغمس ألمي في كتابتي لكي أكون جديراً بما اعاني. سأكتب لكي لا يكون هناك داع من الحزن.   


فأيضاً لا مجال للقول أننا سنعيش بذلك الشعور إلى الأبد، لكن يكفي أنه في لحظة ما في يوم من الأيام سنقرأ تلك الكلمات ونتذكر الأيام الخوالي التي كنا نتراسل بها، سنتذكر ونبتسم، ونَحِن مرةً أخرى، سنتستمد شعوراً من الماضي لنؤمن بعدالة الواقع، لا يجب ان يكون ذلك الشعور، شعور بالخزي او الخجل، لا يجب أن نجعل الحزن يسيطر على قلوبنا، ويخيم على ذكرياتنا في الايام الجميلة التي قضيناها في الكتابة والمراسلة، وتلك اللحظات القصيرة التي كنا نتبادل فيها الحديث وجهاً لوجه.

تقبلي مني وداعاً اخيراً، وأملاً أبدياً في السعادة لكلينا


ماكار أليكسفتش 

الخميس، 12 يونيو 2014

مشهدان


مشهد رأسي..

نحن نجلس الآن في طاولة في قهوة ضيقة جداً بالكاد تتحمل الرواد، يتصاعد الدخان من جميع النواحي، فعلى الجانب الأيمن حوالي خمسة أشخاص يلبسون الجلابيب البيضاء المميزة للبدو والعرب، سأموا من الانتظار ويحاولون تضيع الوقت في مهاترات كلامية فارغة ليست مضحكة على الاطلاق، أو في اشعال سجائر بطريقة هستيرية تكاد لا ترى أصابعهم الا وتتشابك فيها السجائر، أو تسمع كركرة شيشة، وتميز رائحة المعسل، وعلى الجانب الآخر محامي رث الهيئة، بربطة عنق غير أنيقة بالمرة، يقارب وزنه المائة ويتشابك وجهه السمين مع جسده، بعنق قصير جداً، شاربه كشارب هتلر، والحق انه أشبه بالعم (فيرنون) في سلسة (هاري بوتر)، الأغلب ان هذا الشخص هو محامي!!! . أصوات كثيرة متداخلة أحاديث حول أحكام وقوانين جنايات وعن الاحوال العامة والاجتماعية والبعض يختلس النظر لمن حوله ثم يتحدث بصوت خفيض -الواضح انها امور سياسية-.
أنا ورفيقي في المنتصف بدأنا في محاولة بائسة للغناء، جائتنا أخبار سيئة عن رفاق القاهرة، وننتظر اخبار رفاق الأسكندرية،

"آخر خبر في الراديوهات وف الكنايس والجوامع وف الحواري والشوارع وع القهاوي والبارات .. جيفارا مات .. جيفارا مات"

يقطع الغناء بعض المكالمات الهاتفية، وينضم لنا رفاق آخرون ونغادر المكان. بعد قضاء ساعتين مع القهوة والفراغ، سيارات الترحيلات تأخرت ويجب علي العودة إلى المنزل بسرعة.



مشهد آخر ..

تتحرك سيارة بها أربعة عشر شخصاً، يجلس في الصف الثاني شاب، مجرد شاب، ترك رأسه يستريح على النافذة في محاولة لاختلاس فرصة ليغفو قليلاً حتى يصل لمحطته التي هي أيضاً محطة السائق الأخيرة.. تمضي بعض الدقائق، وتبدأ معها الأفكار تتداخل الأصوات، والمشاهد، يغمض عينيه وقد وصل إلى بداية النوم بشكل فعلي، تلتقط أذنه حديث بين سيدتين، لم يعلم هل هما معه في الحلم أم أنهما من الركاب لكن الحديث كان يدور.. لم يلق بالاً في أول الأمر، لكن انتباهه جُذب حين سمع كلمة (اختطاف)، جاهد حتى يجعل جسده يعتدل في جلسته على الفور حين تأكد انه لم يكن يهلوس، هذا حديث في الصف الخلفي بالنسبة له سيدة تحكي عن قصة ابنها لسيدة أخرى بجوارها، لم يمتلك الجرأة لكي ينظر إلى وجوههم حتى لا يقطع حديثهما لكنه ظل منصتاً بشكل دقيق.

يمكن يكون من القلة المحظوظة اللي الفرصة خلتها تشوف عتمة الزنزانة، بس متطولش فيها، التجربة اللي البيت كله عاش فيها مكنتش سهلة أبداً احنا مكناش فاكرين اننا ممكن يحصل لحد فينا كده، لكننا دايماً بنقول الحمد لله، هو بيقول ان الموضوع ده فاده كتير، مع ان التجربة مكنتش سهلة، حتى نتايجها مكنتش بسيطة أبداً.
لما خرج .. كان مجرد انه يرجع يعيش حياة شخص عادي تعتبر طموح بالنسبة لي، كان فيه شئ ناقص، فيه حاجة نسيها جوا. شعور جفاء طول الوقت لكل الناس اللي بيحبهم، حتى لما وصل البيت لما خدته في حضني وقعدت أعيط، هو فضل ثابت وهو اللي بيهديني، عينيه كان فيها غضب ويأس عمري ماشفته في عينه قبل كده، كلمت كل صحابه وقلتلهم انه وصل البيت وخليتهم ييجوا علطول، عشان يخرجوه من الجو النفسي ده، وبرغم انهم أول ما وصلوا هو اللي كان بيقلهم بابتسامته المعهودة عاملين ايه؟! الا ان اليوم كله أنا كنت شايفه عليه هالة من العتمة، انا عارفة ابني كويس لما بيكدب وهو كان كداب لما كان بيقول للناس انه كويس، كنت مستغربة انه بيضحك، وخجولة أقعد معاه يحكيلي عن حاجة، أنا عمري ما كنت بفهم ابني، هو اللي كان دايماً يحكيلي على الحقيقة اللي وصلنالها، أنا دايماً مؤمنة ان الانسان كل ما سنه بيزيد خبرته في الحياة بتزيد، لكن ابني كان حاجة تانية، ابني كان هو اللي بيقولي على حكاياته، هو اللي كان بيديني النصايح في الحياة، هو اللي كان بيحكيلي عن صحابه المظلومين، كان برغم انه بينزل كتير إلا انه كان شاطر في مذاكرته وفاهم كويس جداً، عمري ما كنت أحسب اننا في يوم من الأيام هنشجعه يسيب ثانوية عامة، لكنه تقبل الموضوع بكل بساطة.
بعد يومين وانا في المطبخ لقيته جاي وحط ورقة قدامي ومشي، متكلمش أي كلمة، أنا كنت مذهوله من سكوته ده، لكن شغفي اني أشوف اللي مكتوب في الرسالة نساني اني أكلمه، طلع من المطبخ وأن بفكر انه ممكن عاوز يتكلم أو يقول حاجة ودي أفضل طريقة هو شايفها للتعبير عن نفسه دلوقتي.. قريت الورقة وبكيت بعدها كتير، استني الورقة أنا شايلاها معايا دايماً مفارقتهاش من ساعتها، استني أقراهالك..

"كانت اللعنة المتلازمة هناك هي لعنة الوقت، انك تكون مش عارف المفروض تعمل ايه، عشان تضيع وقتك، انك تكون بتقول يا رب وانت مش في مخيلتك إلهك اللي فضلت دايماً تعبده، انك تتعايش مع العفن لحد ما تكون جزء منه، انك تحس بالذل وكل اللي تعرفهم بترموا بأفظع الشتايم، وانت مش من حقك تتنفس ان الأذى المادي عندك أهون بكتيير من انك تفقد الأمل، في كل شئ، سواء في الحياة أو الموت، انك تحاول تجذب الأفكار لعقلك بأي طريقة حتى ولو كانت الأفكار دي جنونية بالنسبة لمنطقك.
"الظلام والجوع واليأس كان يكوينا هناك".

النهارده الصبح كان أول مرة يتكلم فيها معايا.. صحا من النوم وراحلي وأول ما شافني حاضني جامد جداً وقاللي "الثورة جاية يا ماما متخافيش".

مر الوقت سريعاً، حتى أن الحكاية حين انتهت، كانت السيارة قد وصلت محطتها الأخيرة، نسى الآخرون محطاتهم التي كانوا سيهبطون فيها في المنتصف.
صمت.....
ماذا من المفترض ان يقول شخص عاقل في نفس هذا الموقف؟!!، توقف السائق، حيث وصلنا أخيراً، ولم يتحرك أحد، ثم وببطئ شديد فتح رجل باب السيارة وهبط منها والتفت إلى السيدة وقال لها "أنا آسف" ، وتتابع الباقي من بعده ببطئ، يفعلون نفس فعلته مع تغيير أنواع الكلمات والمجاملات، حتى لم يتبقى سوى السيدتان وهذا الشاب، هم بالنزول اولاً وكان لا يعلم ماذا من المفترض أن يقول أو أن يفعل، كان يريد أن يختلس النظر إلى وجهها عساها أماً لأحد أصدقائه، إلا أنه وعكس ما يتوقع تماماً هبط بهدوء ورفع شنطته فوق ظهره ولم يحاول حتى أن يتكلم، الصمت في هذا كان أفضل ما يمكن فعله.

وعلى أنغام دندنته سار في محاولة لابعاد أفكاره الشريرة.
"عليكي .. بعتب عليكي .. من عنيكي.. من نظرة ف عنيكي .. من وردة دبلت بين ايديكي .. بعتب عليكي"         












السبت، 17 مايو 2014

غنوة للموت



في لقاء تلفيزيوني في فترة ما قبل الثورة، كان فيه مذيع مستضيف خالد ابو النجا وسأله "لو حابب تكون شخصية خيالية تختار مين؟!"، خالد يومها مسبش مساحة للانتظار أو التفكير ورد كإن الاجابة مترتبة والسؤال مألوف . "كنت أحب اني اكون زيوس الاله عند اليونان القديمة، عندي هيئة بشري كاملة، لكني أملك القدرة على تحريك كل حاجة وخلق عالم كامل !!".

كل حكاية أو فيلم كان الكاتب بيحاول انه يصنع عالم كامل، ومختلف بشئ من الكلية، بيفشل في جزئية أو تفصيلة حتى ولو كانت صغيرة، ان لم تكن في فكرة العالم نفسه زي فيلم (the invention of lying) فبتكون في الشخصيات.
الكاتب في الحالة دي طبيعته البشرية بتفرض نفسها في الحكاية، فمش غريب، انه يوقف العالم عشان شخصية رئيسية ماتت.
يمكن من الروايات القليلة اللي حسيت انها انتهت بنهاية سعيدة تقريباً ومنطقية في نفس الوقت هي سلسلة (harry potter) لان النهاية اتبنت على منطق أكتر من مشاعر تعاطف الكاتبة مع شخصياتها، (رولينج) أصيبت بجنون الدم بشكل مخيف في الجزء الأخير قتلت أبطال جانبيين كتير ووصفت مشاهد قتلهم أو موتهم بمنتهى السخرية سواء موت (ألاستور مودي) أو (لوبين وتونكس) أو حتى (فريد ويزلي)، الجزء ده هي تفوقت على نفسها فعلاً في كل حاجة وأخرجت جزء أشبه للكمال، بعكس الجزء الخامس اللي مخبتش مظاهر تعاطفها تجاه (هاري) لما (سيرياس بلاك) مات .


الموت  
على الفراش تستلقي، تنظر بعينين شبه مغمضة إلى شرفة الحجرة المطلة على أشجار التوت، وقد وقفت بعض العصافير على أغصانها تغرد، في لحن هادئ يشوبه قليل من الحزن، تشتم الورود التي قد وُضعت بجانبك، تأتي الممرضة في تلك اللحظة لتعلمك أن أبناءك قد أتوا لزيارتك اليوم، تبتسم لسماع الخبر، وحين يدخل عليك العائلة، أبنائك أحفادك والجميع، تنظر إلى صورة زوجتك الوفية موضوعة على الطاولة تبتسم لها، وتنسحب من الحياة بهدوء، وابتسامتك لا تخبو، وتسرع إلى لقاءها في موعد غرامي في عالم آخر كما الأيام الخوالي.

هذا ليس هو الموت، الموت لص متخفي يتحين الفرصة المناسبة حين تأمن للحياة، يختطف الفريسه المناسبة لازعاجك، ويترك لك فجوة كي تتأثر... البعض يبكي لأيام وليالي، والبعض الآخر يحاول كتابة بعض الرثاء ظناً ان روح من مات، تظل ترفرف حولهم، تستمع لاطرائاتهم الساذجة.! روحه التي تذهب بعيداً حين يبدأ الناس في نسيان الذكرى كما تبدأ صورته في الذهاب بعيداً عن أذهانهم.
"حقاً لو كان الموت رجلاً لأخذته السخرية منكم حد الجنون"

أسوأ من الموت انك تعيش بذكراه ..
أسوأ من الموت انك تبطل تخاف منه ..
أسوأ من الموت انك تستخف بيه ..
أسوأ من الموت هو الخلود في حياة لا نهائية !!

هل ممكن حياتك تتربط بحد ميت؟!!
الفكرة نفسها مخيفة، لكن الحقيقة الأكثر رسوخاًً عند الناس، أن مجرد التذكر يعبر عن الكثير من الولاء، كما الكتابة ولاء لبعض الأشياء ولشخص واحد.

في مقالتها (حقائق عن قلب الكاتب) (جانيت لوبلانك) كانت بتقول " الحقيقة الثانية: الكاتب لديه عشيقة سريّة دائمًا .... هي ربّة الإلهام واسمها ميوز. يعمل لها بإخلاص. يفعل أي شيء لإرضائها وإبقائها قريبة. بالغزل، بالإغواء. يجثو على ركبه، يرافع عن قضيته أمامها بيأس. وعندما تتركه -كما تفعل دائمًا- عليه أن يكتب حتى يكتشف طريق العودة إليها. لأنها لا تستجيب إلا للأفعال".
الميزة اللي ممكن تحصل عليها من ارتباطك بشخص ميت، انك مكون أبعاد وملامح واضحة ليه، ابتسامته، أسلوبه في الكلام، عقليته، ضحكته .. الخ، لكن نقطة الضعف ان تعاملك مع الشخص الميت مش هيكون نابع غير بهوسك للماضي.

لما سألت ياسمين أكرم -وهي من أفضل كٌتاب المدونات بالنسبالي لحد دلوقتي- عن الناستولوجيا، قالتلي " النوستالجيا بتبقى مرض ، لما بتفصلك عن الواقع و عن كل الحاجات الجميلة اللى بتعيشها أو ممكن تعيشها لمجرد أنك محبوس ف صورة قديمة ، مش قادر تتخيل صورة أجمل منها .النوستالجيا خداعة كمان ، لأنها بتصورلك إمبارح بشكل خادع ، بتخليك تفتكره بشكله أجمل ، مع أن الحقيقة هى أنك لو رجعت تعيشه تانى حتكتشف أنه عكس كده ! فى رواية لميلان كونديرا أسمها " كائن لا تحتمل خفته " بيقول فيها : " هل بالإمكان إدانة ماهو زائل ؟ إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين ، حتى على المقصلة "


كان نفسي أكتب حاجة لمي سليم، لكن علاقتي السطحية بيها مسعدتنيش في الكتابة عنها، غير اني دايماً في حكايتي حقول انها أول شخص أتعامل معاه في (civil work) وتعملي انترفيو، وبرغم سني الصغير في الوقت ده الا انها محسستنيش بده بعكس معظم الناس.
دي صورة من آخر مرة أشوف فيها مي
ربنا يرحمها ..



الأحد، 4 مايو 2014

لمجرد الهوس

ايه تعريف الجنون !!
ان الروابط بين الأشياء تفقد تماسكها بشكل متسلسل .. انك تبذل قصارى جهدك لعمل نظرية من لا شئ..انك تعيد النَهج كل مرة في انتظار نتائج مختلفة.
يقال أن المجنون هو الشخص اللي بيفشل في تكوين علاقات اجتماعية مع غيره من الناس، هو مش بيحط اعتبارات أبداً، وبيجرد الناس من كل اللي بيملكوه من تملق وسياسة، كلامه بيكون قاسي جداً لكنه حقيقي بدرجة مدهشة.

في يوم رحت درس العربي وكنا بندرس حكاية شاعر، وهب حياته في سبيل انه يلاقي شعر موصلهوش حد، كلمات مختلفة، ألفاظ قوية وجديدة، ونغمة متسمعتش قبل كده، يقدر يعبر عن الحياة بشكل مختلف وعميق، وفضل يجري ورا حلمه لدرجة ان حلمه خلاه ميديش فرصة لقلبه انه يحب بنت أو يقع في غرامها، وفي بيت من أبياته كان بيتكلم عن نفسه وبيقول "لم يعشق الغيد لكنه ... هام ببكر من بنات الخيال"، الأستاذ لما شرح البيت ده بالذات، كل اللي في القاعة فضلوا يضحكوا، لكني اتأثرت جداً بالفكرة ومكنتش عاوز ان الأبيات تنتهي بيأسه وقراره التوقف عن الحياة الأدبية بشكل كامل لانه آمن ان حلمه مستحيل، اسم الشاعر ده هو (عبد الرحمن شكري).
حاولت أعرف أكتر عن قصة حياته، ومقدرتش أجمع عنه غير انه عاش طول حياته وحيد وكان مجتهد جداً تجاه حلمه زي ما كان بيوصف نفسه في الأبيات، وان العقاد قال عنه "الرائد الضي سبق زمانه في عدة حسنات مأثورات" ولما أصابه الياس وقرر انه يعتزل الحياة الأدبية، قام حرق معظم أعماله إن لم يكن كلها، ومات واتدفن في اسكندرية في صمت وتجاهل سخيف.

النهارده وطول الفترة اللي فاتت كنت بخمر فكرة اني أقف عن نشر أي حاجة جديدة وأكتفي بسرد مذكرات وخواطر فقط، وحتى اشعار آخر، وده بعد تفكير عميق جداً في كلام (محمود صابر). "متنشرش حاجة فقط لمجرد النشر"، كنت بفكر في ان النشر ممكن يتحط في اعتبار انه نتاج لهوس الظهور في عقلنا الباطن زيه زي أي فعل تجاه أي شئ، أنا مش مؤمن باعتقاد اننا المفروض نتعامل على أساس ان الانسان ناقص، لكن المفروض ندور عن المثالية، ونفضل متمسكين بالفكرة لحد ما نموت، أكيد احنا مش كاملين، لكن ساعتها حنقدر نوصل لأقرب نقطة للمثالية، لو اقتنعنا تمام القناعة بفكرة ان الانسان مش كامل وبدأنا نتعامل على الأساس ده، فاحنا منستحقش أبداً  ان ربنا يحاسبنا على أي أفعال.

 مرة سالت شخص أشعاره عزيزة جداً علياً: ايه اللي خلاه يبدأ في الشعر بجدية!!، أخد وقت كده وهو بيشرب سيجارته ببطئ وبينفخ دخانها، وبصلي وقاللي عارف يا حاتم أنا بدأت أقول شعر عشان لقيت انه أكتر حاجة بتعجب البنات، استغربت جداً ساعتها، ممكن مش عشان الاجابة صريحة وغير مألوفة بشكل غير متوقع، على قد ما انها مش واضحة بالنسبالي، عشان هو حالياً بيكتب عن حب الوطن بشكل أكثر عمقاً، أفكاره الحالية واهتماماته ممنعتهوش انه يصارح الناس بماضيه وبدايته اللي كانت بشكل أو بآخر في وصوله للمرحلة دي!!، يومها كان أكتر جملة بترن في ودني هي "خليك صريح مع نفسك واتسامح مع ماضيها"    




                       
     

السبت، 8 مارس 2014

جنون ... درويش

نحو إعادة لحظات لم تكمل المشهد ..
درويش ..على الأرض تدب خطواته، روح ..تبحث عن شئ مفقود غير معلوم الكيان، يذوب عشقاً في صوت سكير، توحي كسرة الباء بشدة ألم عشقه، لمن لم يتواجدوا بشكل واضح، عشق ..يجعل الزمن يتوقف للحظات يزداد عندها حجم القمر ويراقب همسات الناس وضحكاتهم بشكل أبطأ، قد أصبح مدمناً لمجالس العشق.

مشهد عنده نزل الوحي..
ضحكة صافية ..لشابة في العشرين تلهم سائقاً، بكونه فارساً لبضع دقائق متهورة، تأنق ..بشكل هستيري لتلبية دعوة، جنة ..ليست كجنة الخلد، لكنها قد تصبح طريقاً، مغفلون ... ظنوا لوهلة بانعدام الخطيئة، والمكان ..كانت تحرسه الشياطين.

والاهداء كان...
إلى اللاأحد الذي يملئ تلك الشقوق الضيقة في لحظات النشوة بالجنون، والتصنيف ..كان مجهول فهمه على أحد    

ألا فأيها الدرويش خلصني...!  

              


الخميس، 13 فبراير 2014

رسالة لم يكتبها ديستويفسكي

** قبل البدأ فقط := فان التدوينة التالية مستوحاه من رواية المساكين لديستويفسكي والشخصيات من صناعته، أما الأحداث الوارده فلم تذكر في الرواية أبداً، وإنما هي من وحي خيالي، وشكراً :)   

عزيزي الغالي جداً ماكار أليكسييفتش!

   لرغبتي الشديدة في أن أفعل شيئاً يسرك، جزاء ما تحملت في سبيلي من عناء شديد، وما عانيت من هم ، وجزاء ما محضتني من عاطفة صادقة، فقد انتهيت أخيراً من الكتابة التي شعرت بالمشقة فيها، هذه ستكون أولى الرسائل الطويلة التي أرسلها لك، حتى أنك ستلاحظ يا صديقي العزيز مدى طول الكلمات وسوء الخط، أعذر صديقتك المسكينة فلم يكن سهلاً عليها أن تكتب أسوأ حالة عاشتها في حياتها، من رسالة تكاد لا تساوي روبيلاً واحداً لكنها تحوي الكثير من المعاني الأليمة، لماذا نعيش دائماً في بؤس يا ماكار، نحن لم نفعل شيئاً لنستحق كل هذا العذاب في حياتنا، ستستطيع أن تدرك معاني كثيرة في رسالتي يا ماكار، ستتحاشى التفكير في اذلال نفسك من أجل صديقتك التي لا تملك شيئاً لتقدمه لك سوى الدعاء، تغمرها انت بهداياك القيمة من حين لآخر، وتتنازل في المقابل عن شراء معطف جديد للشتاء، أو أزرار جديدة لقميصك البالي الذي يسخر منه أصدقائك في العمل يومياً كما أعتقد.. حقاً يا ماكار ماذا تفعل؟!!

  "يجب أن أقول الآن أني سادع مجالاً للكلمات لتخبرك عن هذا الانسان الذي كان من بين من لقيتهم في حياتي من الرجال أغربهم وأدعاهم إلى العجب وأبعثهم على الشفقة، ولئن كنت سأدع المجال للتكلم هنا في هذا الموضوع بعينه في رسائلي ومذكراتي، فلأنني لم ألق إليه بالاً إلى ذلك الحين، غير ان كل ما يتصل ببوكروفسكي أخذ يعنيني بين عشية وضحاها.
   أولست طائرك الصغير وملاكك الجميل!! فلتتحمل من أجلي تلك المرة اذًا ...

  لم يكن ثمة شمس فالغيوم كانت تغطي السماء بشكل كثيف يكاد لا يدخل إلى الكنيسة ضوء من النهار، إلا أن عقارب الساعة لعبت دورها بشكل كامل في ضبط ادراك الوقت لدينا، لقد خُيل إلي أن الطبيعة كانت تتفق مع كآبة اليوم الذي ازداد بكآبتي أنا أيضاً، فلم يذهب أحد إلى القداس غيري أنا وبوكروفسكي العجوز الذي كان يتصرف بغرابة تشنج إلى أبعد الحدود مما جعل الناس تبتعد كلما حاول الاقتراب منهم، يا للمسكين لقد جُن من فقدان ابنه العزيز!، أما أنا فكانت تسري بي رعدات من الهلع والخوف استمرت لحين اغلاق التابوت وتسميره وتحميله على العربة التي لكز صاحبها الحصان بقوة، فركض بسرعة لم يستطع بوكروفسكي العجوز مجاراتها،إلا أنه ظل يركض وراء العربة ولم يستكن لأنفاسه المتقطعة والأمطار التي كانت تهطل بغزارة ذاك اليوم على سان بطرسبرج، ولم يعبأ أيضاً لقبعته الرثة التي تطايرت إثر الركض مع الحالة الجوية السيئة، فهطلت الامطار على راسه الأصع وهو مستمر في الركض.

   راقبت كل هذا من امام باب الكنيسة التي كانت قد خلت من الناس، مثلها مثل الشارع الذي خلا من المارة، كان الحزن البادي على المسكينين يمزق قلبي ويجعلني أشعر بالتعب من التفكير تدريجياً، لماذا يعاملون ذاك الشاب اللطيف الذي اختطفه الموت بتلك الحقارة، لماذا يعاملون أباه بذلك البرود، الحق أن العجوز كان مزعجاً في أغلب الأحيان حتى بالنسبه لابنه، لكنه لم يترك فرصة واحدة لجعله سعيداً أو ابعاد الهموم عن قلبه، هذا العجوز يفتقد ابنه فلماذا كل هذا الجفاء!!.  آثرت بعد كل ما رأيت أن أعود إلى أمي المريضة في البيت وقد بدأت أشعر بالخدر فعلياً من التعب يسري في أوصالي، تنهدت وعزمت على أن آخذ قبعة العجوز لأردها له في أقرب فرصة يأتي فيها إلى بيت بوكروفسكي الشاب، هو في الأغلب سيأتي ليطالب بمكتبة ابنه الراحل من آنا فيدورفانا، وسيتعالى صوتهم حينها كما فعلوا أمس وهو ما جعل السيدة فيدورفانا تتراجع عن فكرة الذهاب إلى الكنيسة في آخر لحظة، اقتربت من القبعة التي كانت قد امتلئت بمياه المطر، فكانت رثة كما كان صاحبها، أسرعت بسكب الماء من تجويفها وهممت بالرحيل إلا انه استوقفتني تلك الورقة الصغيرة التي سقطت من القبعة، كانت من الورق المقوى الذي لا يُكتب عليه وانما تلف فيه المشتريات، لكن ليس على العجوز حرج في شئ بعد كل ما أراه منه من غرابة أطوار، كانت صغيرة وقد ابتلت عن آخرها بمياه المطر لكن الكتابة فيها ما زالت واضحة فقررت أن آخذها وأحتفظ بها مع القبعة.            

  مرت الليالي والأيام، ولا أعلم أين ذهب ذلك العجوز، لم أشتاق لرؤيته أبداً إلا تلك المرة لأتخلص من عبأ ما أحتفظ به له، أخشى أن يكون قد آذى نفسه، لو كنت مكانه لما ترددت مطلقاً في الانتحار، لطالما أخبرني الأب أنطوان أن الجنة أفضل من هنا بكثير مكان واسع ملئ بالحرية ناكل ثمرات التفاح دون الخوف من الخطيئة، ونلهو كثيراً باحتساء نبيذ يعود عمره إلى قرون، هي ليست بعيدة لنا فنحن لم نرتكب جرماً في الحياة لأننا لم نملكها مطلقاً، لطالما تعذبنا هنا يا ماكار، أعلم أن الله سيرحمنا حين نموت، نحن الذين لم ننس الكنيسة يوماً لماذا قد لا ندخل الجنة ؟!! "اذا لم يظهر العجوز خلال ثلالة ايام فسأكشف أمر الورقة وليكن ما يكون عسى أن ترتاح نفسي" هكذا تراودت الأفكار في هدوء. 

مرت الثلاثة أيام ببطأ غير معهود، كان شعوري بالسوء يزداد كلما دقت ساعة الحائط، تعلن اقترابي أكثر من اكتشاف مكنون الورقة، كنت كلما أستيقظ وأنظر لسقف الحجرة الذي بلى من الأمطار من عدم اكتراث صاحبة المنزل، كنت أشعر بالخوف أيضاً، الحقيقة أن الخواطر كانت تراودني بأن شعوري بالسوء سيزداد إن فتحت وقرأت الورقة، كنت أشعر بأن هناك رابط خفي بيني وبينها فمنذ متى يهوى العجوز الكتابة في ورقة صغيرة وفي ليلة موت ابنه الوحيد، لكن ايضاً ظهور العجوز سيزيد من شعوري بالسوء، ربما تلك العينان وأنف والوجه والكثير من غرابة الأطوار واحمرار الأذنين، أعتقد يا ماكار أني أصبحت بلا جدوى في الحياة، أو أني أستحضر للموت فقد أصبحت مؤخراً بلهاء وطيبة القلب إلى أكثر ما يمكن تصوره، حتى أن فيدورا فاجئتني بقولها " إني أتمنى ألا تكوني طيبة القلب هكذا استحضاراً للموت" الحق يا ماكار أني اخاف في الحياة اكثر مما أحياها.

  يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتها لم تقابل أبي تلك اليلة، يا ليتها آثرت البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب لتلك الحانة فلم تغرم بعينيه، يا ليتني لم أقابل بوكروفسكي ولا اباه ابداً.
إنني تعيسة دائماً يا صديقي المخلص لقد قرأت الرسالة ويا ليتني لم أفعل، أعتقد أني ساخلد في الجنة بعد الموت يا ماكار بالطبع سأكون من بعدك، فنحن لم نشتري من الحياة إلا البؤس، أنا أقول هذا يا صديقي لاني احسب أنك تستمتع بالقراءة والمراسلة، ثانياً لإني حقاً سأموت كمداً إذا لم اتحدث مع احد فيما أريد، أنت تعطف علينا كثيراً، ولا تجد منا غير الابتسام والدعاء ولكن هذا بالفعل أغلى ما نملكه، لقد توقفت عن العمل وفيدورا تستكمل، أنا في حالة مزاجية سيئة للغاية بسبب ذكرى شخص ميت مذكورة في رسالة شخص معتوه، يا للسخرية!!، سأكتب إليك نصاً من الرسالة، على أمل أن تحمل منها قليلاً من همومي كما اعهدك دائماً.

(باتنكا إلى أين ذهبت وتركتني؟!!، أشعرت بالملل من أباك الذي يحبك ويحترق وجهه كلما أحس بأن وجوده يضايقك فقررت الرحيل، يا بني العزيز كم ستكون سعيداً مع امك الجميلة، أو تعلم يا باتنكا أني لم أُغرم سوى بعيني أمك فقط يا صغيري في هذه الدنيا، يالخطئي ويالمعصيتي لقد سببت لك الكثير من الاحراج يا ابني الطيب القلب، يا ولدي المسكين، لطالما كنت مصدر ازعاج واحراج ولم أكن املك الوقت للاعتذار لأني متأكد من اني سأسيئ التصرف كالعادة حتى وقت الاعتذار، أنا متأكد أيضاً من أنك ترقد بسلام الآن، لكن الحياة هنا كانت جميلة بوجودك يا صغيري، فلماذا آثرت الرحيل، لماذا لم تصارح آباك بما يحدث لك من مشكلات وأزمات مادية أنت تعلم أني سأحاول حلها بطرق كثيرة، أه يا باتناك لماذا لم تفعل؟!!، أنا أدرك تماماً بشأن حبك لتلك الفتاة التي تسكن في الغرفة المجاورة لغرفتك، نعم أعلم أنك لم تقل لي لكني أباك وكنت أشبهك كثيراً في شبابي فعندما أغرمت بأمك كنت أحاول أنا الفت نظرها بأكثر الطرق المثيرة للشفقة التي قد تعلمها، لكن هذا ليس مجالنا، أتعلم أن فارنكا لم تساعدني فقط في شراء هديتك وانما كانت الهدية كلها من مالها الخاص وآثرت أن أقدمها أنا لك حتى نكون سعيدين نحن الاثنان، تلك الماكرة أنا مدرك تماماً إلى حد اليقين أنها تحبك يا بني وانما منعها الخجل فقط من تقديم الهدية فزعمت بان تقديمي انا سيُعد أفضل، لقد ظلت تبكي كثيراً أمس وحتى اليوم وأصبح وجهها شاحباً بسبب موتك، أنا أراهن بأنها كانت تحبك يا عزيزي أيضاً، فلماذا فضلت الرحيل وتركت هذا العذاب على قلب تلك الآنسة الجميلة يحطم ما لم تمسه الأيام حتى الآن، كنت اتمنى أن تقبل دعوتي للعودة، لكني اعلم أنك ستفضل البقاء، لكن أرجوك صلي لنا جميعاً، أنا وفيدورا وفارنكا أيضاً ولا تنسى ذلك السيد ماكار فهو لديه الكثير من المشكلات بحجم طيبة قلبه وعطفه، صلي من أجلنا جميعا وأرسل قبلاتي إلى حبيبتي .. أمك يا باتنكا الصغير)

 ماكار ..
تعال لزيارتنا قريباً، ولا تلق بالاً لما سيقوله الناس فأنا سأتقبله بقلب صامد لكني حقاً لن أحيا إن لم أرك في القريب العاجل، لقد أصبحت ضعيفة للغاية، وصحتي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، هذا المخرف زاد همومي هماً ولا أعرف السبب الرئيسي وراء ذلك، لماذا يدعي بما لا يعلم، هل كنت انا بالفعل السبب الرئيسي لإكتئاب بوكروفسكي الشاب مما آل إلى موته ؟!!، أنا لا أعرف أي شئ، حتى أني لا أعرف نفسي أحياناً، لا أستطيع التوقف عن التفكير ولاأستطيع أن أسامح هذا العجوز على اقتراف خطاً لا ادرك مدى فداحته بالنسبة لي، أم أنا المتغطرسة التي لا تقبل على نفسها الكلام؟!!.
أنا أدرك مدى انشغال فيدورا بعملها، وأشعر بالامتنان لها كثيراً حيال ما تحمل عني من أعباء العمل حين أشعر بالسوء، وبالرغم من هذا فأنا لا أشعر بالرضا مطلقاً عندما أصارحها بما يدور في حياتي.
أنت، أنت صاحبي في تلك الحياة، ومراسلتك هي اللذة التي تشعرني بالغبطة، حتى أني فكرت لو أنك لا تستسلم لسخطك ويأسك لشككت أنك قديس أرسله الاله ليسلي سنوات بقائي هنا، فلا تتأخر عن الزيارة ولا تعتذر كما تفعل دائما، أنا حقاً أحتاج إلى الحديث معك لساعات كثيرة، وإلا فستكون انت سبباً رئيسياً في زيادة حالتي سوءاً، لا أعلم ماذا أقول لك لكن إن كان هذا سيشجعك على المجئ والحديث، فأنا قد عرض عليّ أمس الزواج وأفكر بجدية في القبول.

أنتظر زيارتك بما تحمله كلمات الصبر والشوق من معاني وأرسل لك رسالتي سريعاً قبل أنا تأتيني مصائب أخرى أزعجك بها، وقبل أن أنسى فإن فيدورا ترسل تحياتها وإلى حين زيارتك القريبة فسأبقى وأظل دائماً ملاكك الصغير.

فارفارا دوبروزيولوفا