الخميس، 13 فبراير 2014

رسالة لم يكتبها ديستويفسكي

** قبل البدأ فقط := فان التدوينة التالية مستوحاه من رواية المساكين لديستويفسكي والشخصيات من صناعته، أما الأحداث الوارده فلم تذكر في الرواية أبداً، وإنما هي من وحي خيالي، وشكراً :)   

عزيزي الغالي جداً ماكار أليكسييفتش!

   لرغبتي الشديدة في أن أفعل شيئاً يسرك، جزاء ما تحملت في سبيلي من عناء شديد، وما عانيت من هم ، وجزاء ما محضتني من عاطفة صادقة، فقد انتهيت أخيراً من الكتابة التي شعرت بالمشقة فيها، هذه ستكون أولى الرسائل الطويلة التي أرسلها لك، حتى أنك ستلاحظ يا صديقي العزيز مدى طول الكلمات وسوء الخط، أعذر صديقتك المسكينة فلم يكن سهلاً عليها أن تكتب أسوأ حالة عاشتها في حياتها، من رسالة تكاد لا تساوي روبيلاً واحداً لكنها تحوي الكثير من المعاني الأليمة، لماذا نعيش دائماً في بؤس يا ماكار، نحن لم نفعل شيئاً لنستحق كل هذا العذاب في حياتنا، ستستطيع أن تدرك معاني كثيرة في رسالتي يا ماكار، ستتحاشى التفكير في اذلال نفسك من أجل صديقتك التي لا تملك شيئاً لتقدمه لك سوى الدعاء، تغمرها انت بهداياك القيمة من حين لآخر، وتتنازل في المقابل عن شراء معطف جديد للشتاء، أو أزرار جديدة لقميصك البالي الذي يسخر منه أصدقائك في العمل يومياً كما أعتقد.. حقاً يا ماكار ماذا تفعل؟!!

  "يجب أن أقول الآن أني سادع مجالاً للكلمات لتخبرك عن هذا الانسان الذي كان من بين من لقيتهم في حياتي من الرجال أغربهم وأدعاهم إلى العجب وأبعثهم على الشفقة، ولئن كنت سأدع المجال للتكلم هنا في هذا الموضوع بعينه في رسائلي ومذكراتي، فلأنني لم ألق إليه بالاً إلى ذلك الحين، غير ان كل ما يتصل ببوكروفسكي أخذ يعنيني بين عشية وضحاها.
   أولست طائرك الصغير وملاكك الجميل!! فلتتحمل من أجلي تلك المرة اذًا ...

  لم يكن ثمة شمس فالغيوم كانت تغطي السماء بشكل كثيف يكاد لا يدخل إلى الكنيسة ضوء من النهار، إلا أن عقارب الساعة لعبت دورها بشكل كامل في ضبط ادراك الوقت لدينا، لقد خُيل إلي أن الطبيعة كانت تتفق مع كآبة اليوم الذي ازداد بكآبتي أنا أيضاً، فلم يذهب أحد إلى القداس غيري أنا وبوكروفسكي العجوز الذي كان يتصرف بغرابة تشنج إلى أبعد الحدود مما جعل الناس تبتعد كلما حاول الاقتراب منهم، يا للمسكين لقد جُن من فقدان ابنه العزيز!، أما أنا فكانت تسري بي رعدات من الهلع والخوف استمرت لحين اغلاق التابوت وتسميره وتحميله على العربة التي لكز صاحبها الحصان بقوة، فركض بسرعة لم يستطع بوكروفسكي العجوز مجاراتها،إلا أنه ظل يركض وراء العربة ولم يستكن لأنفاسه المتقطعة والأمطار التي كانت تهطل بغزارة ذاك اليوم على سان بطرسبرج، ولم يعبأ أيضاً لقبعته الرثة التي تطايرت إثر الركض مع الحالة الجوية السيئة، فهطلت الامطار على راسه الأصع وهو مستمر في الركض.

   راقبت كل هذا من امام باب الكنيسة التي كانت قد خلت من الناس، مثلها مثل الشارع الذي خلا من المارة، كان الحزن البادي على المسكينين يمزق قلبي ويجعلني أشعر بالتعب من التفكير تدريجياً، لماذا يعاملون ذاك الشاب اللطيف الذي اختطفه الموت بتلك الحقارة، لماذا يعاملون أباه بذلك البرود، الحق أن العجوز كان مزعجاً في أغلب الأحيان حتى بالنسبه لابنه، لكنه لم يترك فرصة واحدة لجعله سعيداً أو ابعاد الهموم عن قلبه، هذا العجوز يفتقد ابنه فلماذا كل هذا الجفاء!!.  آثرت بعد كل ما رأيت أن أعود إلى أمي المريضة في البيت وقد بدأت أشعر بالخدر فعلياً من التعب يسري في أوصالي، تنهدت وعزمت على أن آخذ قبعة العجوز لأردها له في أقرب فرصة يأتي فيها إلى بيت بوكروفسكي الشاب، هو في الأغلب سيأتي ليطالب بمكتبة ابنه الراحل من آنا فيدورفانا، وسيتعالى صوتهم حينها كما فعلوا أمس وهو ما جعل السيدة فيدورفانا تتراجع عن فكرة الذهاب إلى الكنيسة في آخر لحظة، اقتربت من القبعة التي كانت قد امتلئت بمياه المطر، فكانت رثة كما كان صاحبها، أسرعت بسكب الماء من تجويفها وهممت بالرحيل إلا انه استوقفتني تلك الورقة الصغيرة التي سقطت من القبعة، كانت من الورق المقوى الذي لا يُكتب عليه وانما تلف فيه المشتريات، لكن ليس على العجوز حرج في شئ بعد كل ما أراه منه من غرابة أطوار، كانت صغيرة وقد ابتلت عن آخرها بمياه المطر لكن الكتابة فيها ما زالت واضحة فقررت أن آخذها وأحتفظ بها مع القبعة.            

  مرت الليالي والأيام، ولا أعلم أين ذهب ذلك العجوز، لم أشتاق لرؤيته أبداً إلا تلك المرة لأتخلص من عبأ ما أحتفظ به له، أخشى أن يكون قد آذى نفسه، لو كنت مكانه لما ترددت مطلقاً في الانتحار، لطالما أخبرني الأب أنطوان أن الجنة أفضل من هنا بكثير مكان واسع ملئ بالحرية ناكل ثمرات التفاح دون الخوف من الخطيئة، ونلهو كثيراً باحتساء نبيذ يعود عمره إلى قرون، هي ليست بعيدة لنا فنحن لم نرتكب جرماً في الحياة لأننا لم نملكها مطلقاً، لطالما تعذبنا هنا يا ماكار، أعلم أن الله سيرحمنا حين نموت، نحن الذين لم ننس الكنيسة يوماً لماذا قد لا ندخل الجنة ؟!! "اذا لم يظهر العجوز خلال ثلالة ايام فسأكشف أمر الورقة وليكن ما يكون عسى أن ترتاح نفسي" هكذا تراودت الأفكار في هدوء. 

مرت الثلاثة أيام ببطأ غير معهود، كان شعوري بالسوء يزداد كلما دقت ساعة الحائط، تعلن اقترابي أكثر من اكتشاف مكنون الورقة، كنت كلما أستيقظ وأنظر لسقف الحجرة الذي بلى من الأمطار من عدم اكتراث صاحبة المنزل، كنت أشعر بالخوف أيضاً، الحقيقة أن الخواطر كانت تراودني بأن شعوري بالسوء سيزداد إن فتحت وقرأت الورقة، كنت أشعر بأن هناك رابط خفي بيني وبينها فمنذ متى يهوى العجوز الكتابة في ورقة صغيرة وفي ليلة موت ابنه الوحيد، لكن ايضاً ظهور العجوز سيزيد من شعوري بالسوء، ربما تلك العينان وأنف والوجه والكثير من غرابة الأطوار واحمرار الأذنين، أعتقد يا ماكار أني أصبحت بلا جدوى في الحياة، أو أني أستحضر للموت فقد أصبحت مؤخراً بلهاء وطيبة القلب إلى أكثر ما يمكن تصوره، حتى أن فيدورا فاجئتني بقولها " إني أتمنى ألا تكوني طيبة القلب هكذا استحضاراً للموت" الحق يا ماكار أني اخاف في الحياة اكثر مما أحياها.

  يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتها لم تقابل أبي تلك اليلة، يا ليتها آثرت البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب لتلك الحانة فلم تغرم بعينيه، يا ليتني لم أقابل بوكروفسكي ولا اباه ابداً.
إنني تعيسة دائماً يا صديقي المخلص لقد قرأت الرسالة ويا ليتني لم أفعل، أعتقد أني ساخلد في الجنة بعد الموت يا ماكار بالطبع سأكون من بعدك، فنحن لم نشتري من الحياة إلا البؤس، أنا أقول هذا يا صديقي لاني احسب أنك تستمتع بالقراءة والمراسلة، ثانياً لإني حقاً سأموت كمداً إذا لم اتحدث مع احد فيما أريد، أنت تعطف علينا كثيراً، ولا تجد منا غير الابتسام والدعاء ولكن هذا بالفعل أغلى ما نملكه، لقد توقفت عن العمل وفيدورا تستكمل، أنا في حالة مزاجية سيئة للغاية بسبب ذكرى شخص ميت مذكورة في رسالة شخص معتوه، يا للسخرية!!، سأكتب إليك نصاً من الرسالة، على أمل أن تحمل منها قليلاً من همومي كما اعهدك دائماً.

(باتنكا إلى أين ذهبت وتركتني؟!!، أشعرت بالملل من أباك الذي يحبك ويحترق وجهه كلما أحس بأن وجوده يضايقك فقررت الرحيل، يا بني العزيز كم ستكون سعيداً مع امك الجميلة، أو تعلم يا باتنكا أني لم أُغرم سوى بعيني أمك فقط يا صغيري في هذه الدنيا، يالخطئي ويالمعصيتي لقد سببت لك الكثير من الاحراج يا ابني الطيب القلب، يا ولدي المسكين، لطالما كنت مصدر ازعاج واحراج ولم أكن املك الوقت للاعتذار لأني متأكد من اني سأسيئ التصرف كالعادة حتى وقت الاعتذار، أنا متأكد أيضاً من أنك ترقد بسلام الآن، لكن الحياة هنا كانت جميلة بوجودك يا صغيري، فلماذا آثرت الرحيل، لماذا لم تصارح آباك بما يحدث لك من مشكلات وأزمات مادية أنت تعلم أني سأحاول حلها بطرق كثيرة، أه يا باتناك لماذا لم تفعل؟!!، أنا أدرك تماماً بشأن حبك لتلك الفتاة التي تسكن في الغرفة المجاورة لغرفتك، نعم أعلم أنك لم تقل لي لكني أباك وكنت أشبهك كثيراً في شبابي فعندما أغرمت بأمك كنت أحاول أنا الفت نظرها بأكثر الطرق المثيرة للشفقة التي قد تعلمها، لكن هذا ليس مجالنا، أتعلم أن فارنكا لم تساعدني فقط في شراء هديتك وانما كانت الهدية كلها من مالها الخاص وآثرت أن أقدمها أنا لك حتى نكون سعيدين نحن الاثنان، تلك الماكرة أنا مدرك تماماً إلى حد اليقين أنها تحبك يا بني وانما منعها الخجل فقط من تقديم الهدية فزعمت بان تقديمي انا سيُعد أفضل، لقد ظلت تبكي كثيراً أمس وحتى اليوم وأصبح وجهها شاحباً بسبب موتك، أنا أراهن بأنها كانت تحبك يا عزيزي أيضاً، فلماذا فضلت الرحيل وتركت هذا العذاب على قلب تلك الآنسة الجميلة يحطم ما لم تمسه الأيام حتى الآن، كنت اتمنى أن تقبل دعوتي للعودة، لكني اعلم أنك ستفضل البقاء، لكن أرجوك صلي لنا جميعاً، أنا وفيدورا وفارنكا أيضاً ولا تنسى ذلك السيد ماكار فهو لديه الكثير من المشكلات بحجم طيبة قلبه وعطفه، صلي من أجلنا جميعا وأرسل قبلاتي إلى حبيبتي .. أمك يا باتنكا الصغير)

 ماكار ..
تعال لزيارتنا قريباً، ولا تلق بالاً لما سيقوله الناس فأنا سأتقبله بقلب صامد لكني حقاً لن أحيا إن لم أرك في القريب العاجل، لقد أصبحت ضعيفة للغاية، وصحتي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، هذا المخرف زاد همومي هماً ولا أعرف السبب الرئيسي وراء ذلك، لماذا يدعي بما لا يعلم، هل كنت انا بالفعل السبب الرئيسي لإكتئاب بوكروفسكي الشاب مما آل إلى موته ؟!!، أنا لا أعرف أي شئ، حتى أني لا أعرف نفسي أحياناً، لا أستطيع التوقف عن التفكير ولاأستطيع أن أسامح هذا العجوز على اقتراف خطاً لا ادرك مدى فداحته بالنسبة لي، أم أنا المتغطرسة التي لا تقبل على نفسها الكلام؟!!.
أنا أدرك مدى انشغال فيدورا بعملها، وأشعر بالامتنان لها كثيراً حيال ما تحمل عني من أعباء العمل حين أشعر بالسوء، وبالرغم من هذا فأنا لا أشعر بالرضا مطلقاً عندما أصارحها بما يدور في حياتي.
أنت، أنت صاحبي في تلك الحياة، ومراسلتك هي اللذة التي تشعرني بالغبطة، حتى أني فكرت لو أنك لا تستسلم لسخطك ويأسك لشككت أنك قديس أرسله الاله ليسلي سنوات بقائي هنا، فلا تتأخر عن الزيارة ولا تعتذر كما تفعل دائما، أنا حقاً أحتاج إلى الحديث معك لساعات كثيرة، وإلا فستكون انت سبباً رئيسياً في زيادة حالتي سوءاً، لا أعلم ماذا أقول لك لكن إن كان هذا سيشجعك على المجئ والحديث، فأنا قد عرض عليّ أمس الزواج وأفكر بجدية في القبول.

أنتظر زيارتك بما تحمله كلمات الصبر والشوق من معاني وأرسل لك رسالتي سريعاً قبل أنا تأتيني مصائب أخرى أزعجك بها، وقبل أن أنسى فإن فيدورا ترسل تحياتها وإلى حين زيارتك القريبة فسأبقى وأظل دائماً ملاكك الصغير.

فارفارا دوبروزيولوفا                                                   

الخميس، 6 فبراير 2014

تكوين .. والكتابة عنها

الحدوتة اللي كان ناس قليلة فكراها، بتحكي عن الولد الأسمر الطيب اللي شعره منكوش وصوته كله هم وجمال، وحبه للبنت اللي اترفض طلبه قدام اهلها بانها تكون شريكة ليه، لكنه مستسلمش وعينه فضلت تلمع كل ما يعدي يستمتع بطلتها من ورا الشبابيك، الأيام عدت وعين الولد ضيها مبينطفيش غير يوم لما لقى البيت روحه مش موجود وأما سأل الحارس قاله ان صحاب البيت هاجروا، صاحبنا دخل في مرحلة اكتئاب كبيرة مطلعش منها غير وهو مشهور بيغني غنوة اسمها شبابيك والولد كان اسمه منير.

  أسبوع واحد كفيل انك تخلق فيه قصة عظيمة بتعقيدات حقيقية وبعمق معنوي رهيب، تقدر تخلقها لكن مستحيل تعبر عنها بشكل أكتر من حكيها بالكلام.
دايماً بتقابلني مشكلة التعبير بالكلام اللي قررت اني أخليه بالعامية المرة دي، جايز التعبير يكون أقوى، كتعبير كامل عن اللي بيفكر فيه العقل لكن برضه مش مقتنع باي حاجة تانية تقدر توهب التوضيح للانسان غير الكتابة.
 وكان من الحاجات الجميلة اللي حصلتلي السنة اللي فاتت هي إن (تكوين) ظهرت في حياتي،أكتر حاجة شدتني اني اعرفها إنه عجبني الاسم زي ما عجبني الشعار (الكتابة والكتابة عن الكتابة)، حسيت إنها الأستاذ اللي محتاج أقعد أتكلم معاه لكنه بيتهرب بطريقة ملهاش سبب معين، أو زي النبع اللي ممكن تاخد منه زي ما انت عايز.
 في حبة ناس كده في حياتنا بتدينا أمل انساني في اننا اتخلقنا عشان نكتب، زي الاقتباس من كلام ارنستو ساباتو عن مهمة الأدب "قال “دون” أن لا أحد ينام في العربة التي تقلّه من الزنزانة إلى المقصلة، لكننا ننام جميعًا من الولادة حتى القبر، أو أننا لم نستيقظ حقًا. وإحدى مهام الأدب العظيم هي إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة".كمان الكتابة هي الحاجة العظيمة اللي خلقت الكلمة اللي مات بسببها ناس كتيرة، وهي الرسول الأول اللي كان قبل الغراب لكن لسه ممتش، فمن قبل الخليقة كانت الكلمة ومن بعدهم ستكون، و في اللحظة اللي بتؤمن بيها فعلاً انك اتخلقت عشان تكتب يجيلك هاجس "لو أن الله قد خلق أناساً كثيرة والأقلام كانت هبة تمنح من عنده سبحانه، هل تكون انت الجدير بتلك المنحة الالهية؟!!".
هي فعلاً الكتابة وظيفة جميلة وقيمة جداً في اننا منقدرش نتخيل تطورنا من غيرها، زي لو كان منير مغناش (شبابيك) واستسلم لكآبته وقدم على وظيفة واشتغل موظف حكومة، كان هيموت ورسالته الكبيرة موصلهاش، فكرة الرسالة بتطاردنا زي مطاردة العفاريت كده، احنا مخلوقين ليه؟!!، واللي ملامحها بتبدأ تظهر عنده بيزيد خوفه انها تتوه منه أو يموت وهو لسه موصلهاش، أعتقد إن أعظم وظيفة بيمنحها ربنا لينا اننا نعلم الناس ازاي يعيشوا، وأعتقد مفيش حاجة بتنافس الكتابة في المجال ده، وعشان كده بعافر فيها..

حاجة اخيرة :- الناس الطموحة اللي بقابلها كتير اليومين دول بيفكروني ب(جولياديكين) اللي قال عنه بيلسنكي "إنه واحد من أولئك الناس الحساسين الذين نجد أمثالهم في الطبقات المتوسطة والدنيا، فهو سريع التأذي، شديد الطموح، يترائى له دائمًا أنه مستهدف ببعض الكلمات وبعض النظرات وبعض الحركات، وأنه يحاصر وتدبر له المكائد"                 

الاثنين، 6 يناير 2014

4\1\2013

العزيزة فرانشيسكا ..

منذ فترة وأنا أفكر بجدية في مراسلتك لكن الوقت والحياة لم يسمحوا بذلك، كنت أريد أن أرسل إليك تعاطفاً صغيراً تدركين من خلاله أن هناك من تعنيه الأخبار ويتأذى من اللهجة الرسمية.
الفترة السابقة ولمدة طويلة كان الموت يحوم حولك بهسيتريا، لكنه حين أراد أن يختطف أحداً اقترب مني أنا تلك المرة، لطالما تجادلت مع الأصدقاء حول اللغز الخفي وراء طيات الحياة على الأرض، لماذا لا نعيش في الجنة؟!!.  نحن الذين عاصروا البؤس وتعايشوا مع الملل، ودافعوا عن الوحدة حتى الثمالة.
لم ندرك أبداً أننا حين نشعر باللامبالاة من الحياة، ما علينا سوى أن نراهن بأجسادنا في اللعبة، حقاً ستدهشك النتيجة، ستدركين حينها أن باستطاعتك البكاء متى أردت، وترقصين على أنغام صرخات أخيرة لانسان يحتضر، ستدركين أن قلبك لم تخبو منه غريزة البقاء، فظل يحارب ويصارع من أجلها.

نحن الخاسرون دائماً في المعادلة.
إذا أردنا النجاح نعاني الفشل، وإذا أردنا الحياة يفاجئنا الموت..
كانت من المرات القليلة التي افقد فيها السيطرة حين كنا في القبور، نشيع ذاك المسكين الذي قُتل غدراً، لم أشعر بما قلت وبما أشرت، لكن نظرات القاتل ذاك اليوم كانت مختلفة، كانت مجرد لحظات عابرة لكن الزمن توقف لثواني ليسمح لي بالنظر له، كانت عيناه كمن يرى ملائكة مخيفة ترفرف حول جسده الذي يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة، آثر التراجع، ولم نؤثر نحن الرحمة في كلماتنا، كيف نؤثرها أمام نحيب أم ندري تماماً أنه لا يوجد كلمات لتواسيها، أمام شباب لا يتماسك من شدة البكاء على صديقه الراحل.

هذه السنة بدأت سيئة كما انتهت السابقة التي بدأت أشعر بالحنين لها !!!  
تقبلي رسالتي وتحياتي عسى أن تجعل فكرة الموت العالم محتملاً، ولحينها أبقى وأظل دائماً صديقك المخلص.                  

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

23/12/2013

عزيزتي ..
يا اللي عيونك شمعة وضحكة وبحر ونسمة صيف

الثلاث أيام اللي فاتوا مبطلتش نوم فيهم، كنت بحاول أهرب واتخلص من العالم، بس للأسف معرفتش، حالتي كانت بتفكرني بفيلم (stranger than fiction) يمكن مكنتش بسمع صوت المؤلفة ( Karen Eiffel ) لكن أنا متأكد إني قريت السيناريو الكامل اللي كتبته كذا مرة لدرجة الملل وقررت إن أفضل نهاية هي النهاية الدرامية اللي حطتهالي هي، أنا جزء من رواية كلاسيكية مملة جداً، وصف الناس فيها واخد جزء اكبر من الحوار نفسه.  

كمان الصفة المشتركة بيني وبين (Harold Crick) إني بتعامل بحقارة تامة مع الناس بطريقة غير مقصوده لإني مش متعود حد يعرفي أو إني أتعرف على حد، وده على قد إنه بيضايقني وبيبعد عني ناس بحاول أبقي عليهم، لكنها كانت تعويذة منع المتطفلين، لكن هو كان كسب مكسب مهم إنه اعترف بحبه قدام ( Ana Pascal) البنت اللي كان بيحبها ومكنش قادر يقرب منها من غير تطفل، بس عشان دي كانت آخر ليلة في حياته وكان الاعتراف فيها مش هيتبعه تردد. 

كانت من الحاجات السخيفة اللي مقدرتش امنع نفسي من عملها، شلت كل الصور المتعلقة في بيت جدتي، ساعات بتخيل إن الصور اللي فيها ناس بتضحك زي العفاريت اللي بتطاردنا، مش حقيقية لكن بتخلي الخواطر مفجعة، جربت من كام يوم التواجد في وسط ناس معرفش معظمهم وكانوا بيضحكوا، وبرغم إن القعدة كانت لطيفة ومضايقتنيش، لكن مش عارف ليه الرغبة في الانعزال بتبقى قوية جداً كل لما أتعرف على حد جديد واقعد معاه فترة. 

في نهاية الفيلم الكاتبة كانت وهبت (Harold) حياة جديدة بعد ما مات، لكن يا ترى إمتى الفرصة دي تجيلي!!.

محتاج أشوفك بشكل أوضح :)          

السبت، 21 ديسمبر 2013

نهاية 7/4

"إذا أردت أن تتخلص من ذكرى شخص موجود فأكتب إليه!"
ستُفتح لك ابوب المغامرة والمقامرة بروحك المتيّمة مابين نسيان وتشبث.. لكن حتماً أنت لن تخسر شئ.

(1)
الأضواء كانت خافتة لايُرى فيها سوى الظلال، والسكون كان سيد المشهد.
هدوء.. تفكير.. قرارات
   يقف على اقدامه المسكينة فوق الفراش، يحاول إدراك صورته وهو يبتسم، لا يعلم أية الأمزجة تستطيع ان تعود به إلى السعادة التي غابت ولم تراسله، يمر سريعاً على الاهداءات.. الكلمات والتماني بسنة لا يراها سوى مزيد من تعاسة ونفاق يجعله يبذل جهدا لاثبات فرحته، يتوقف قليلاً ويشب على اطراف أصابعه، فهناك في الأعلى توجد أكثر الكلمات التي ترقب لها طويلاً.
يغمض عينيه ويستغرق في الذكريات...            
(2)
صورة واحدة أو بالدقة اثنتين!
تدوين مشهد اجتمعوا خلاله لتدوين لحظة.. يضحك الجميع لثواني.. لا اكثر،تنقل للآخرين انهم كانوا هناك .. لا أقل.
كانت الورقة الوحيدة التي استطاعوا أن يراهنوا بها على الوجود كما يعتقد، بريق عينيه.. النظرات والابتسامة.. لم يتجادل فيها سوى أقرب الناس له.
أما البقية فكانوا سذج!!، لا تذهب عقولهم لشئ سوى للمراهنة لمجرد الابتزاز والابتذال.
يقولون أن الزيف دائماً يحمل جزءاً من الحقيقة .. وهكذا جرت الأمور.

(3)
دائماً هناك التفاصيل التي تغيب في المشاهد، لكن تفاصيل وجهه تلك اللحظة كانت كقَسَم ضعف أمام نفسه التي ما زالت تتكسر على مشهد الغياب، امتزاج الاشكال لم يفهمه احد من الحاضرين سوى من عَلِم أن الحرب كانت ضارية تلك الفترة، لم يجيبوا سوى بتغاضي النظر إلى عينيه الخاويتان، فقط.. اطفأ الشموع وابتسم بتهكم.
كلمات انفعالية لا ارادية كفيلة باثارة هواجس تضم مشهد جديد لمأساة التردد.

(4)
كان هناك تناغم..
هذا ما لاحظه المنسق، كان هناك شئ في الشكل واللون والروح، البقية كانوا يراهنون لكن الصمت والملاحظة كانوا رد فعلهم.
بادر المنسق بالسؤال عن السبب.
استغرق قليلاً وفكر في اجابة ما قبل الآباء والأجداد والارض والخليقة جمعاء، لكن الاجابة فرت سخيفة قبل ان يُحكمها فرد بصلة قرابة!!
تسمر واحترق وجهه من اجابته السخيفة المقتضبة التي خرجت دون إرادة منه.. لم ينظر لعينيها ثانيةً لكنه أدرك أنها تبتسم فقلبه لم يستطع إخفاء ضحكته.

(5)
"ماذا يحدث؟!! لم تكن تلك احلامي المستقبلية!! كنت احلم به وسيما ناجحاً ومبتسماً لحياة افضل كل يوم، يُمحي حزن قلبي على أباه الذي رحل بصورة مفاجئة، يهذي بصورة مستمرة ولا ادري ماذا أفعل.. مستقبل أحلامي أصبح مبهماً، فها هو شاحب اللون أجعد الشعر والوجه!! يرتعش دونما سبب"  هكذا دارت الخواطر في عقل إمرأة خمسينية.
   تفتح عينيها على إثر صوت تنهيد قوية لتتطلع لغرفة المشهد الأول بنفس الاحداثيات السابقة لكن جسده كان مستلقي على الفراش وهي تجلس على الفراش المقابل.
-أمي..
لقد كانت اندلسية البريق والملامح والفتنة
عربية العين .. والبسمة..والعفة
كانت ضحكتها تملأ الهواء نسيماً، وكان صوتها يُبكي اكواب القهوة غيرةً
كنا نغني ونتسامر حتي البكاء، نحزن ونتامل حتى نضحك
غابت وحدث على أثر ذلك الكثير كما ترين، غابت حتى لم أعد أراها..
انا اتذكر شبحها يأتيني دائماً، أتجول لأراه وأستمتع بالغناء.
الكثيرون يولدون كل يوم.. وقلبي الذي فقد عذريته ما زال يتعافى..

ثم سقط ثانية..
نشيج امه كان يتعالى صوته، بعد ان اتضحت لها الصورة الكاملة، والضوء الخافت قرر أن ينطفئ كما انطفأ هو عن الحياة...

فقط

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

شبح..

أنا شبح...
في مدينة العبث أعيش، لأراهن بالوجود، أتكأ بقدمين متهالكتين على جسم يكاد لا يحمل وزناً، أترنح وحيداً أجوب غرفات شقة النغمات، أنظر للكلمات، وأبتسم للضحكات، وأتوقف لصورة الغجرية، أسرح بالذاكرة.
ويمر الوقت...

أنا شبح...
لا أبكي، ولا أرى ظلاً، أغني .. أتسامر ..أرقص.. وأضحك بهستيريا .
أسكر للنخاع بخمر الغروب، أهرب من الوجوه وأتملص..!
يزداد خمري وتزداد معصيتي وتظهر أشباحي الناضجة.. الباسمة.. الصفراء.. المحتالة.

أنا شبح...
أعبر الجدران وأسترق السمع من بعيد، أخرج للهواء الطلق.. تعبر النسمات من خلالي.. ازداد انتفاخاً.. ثم أعود هزيلاًَ كما أنا!!، أرى الملوثين بدمائهم من تحتي، وقد استغرقهم الموت فلم يعبؤا، أمامي مئذنة.. كسر شموخها.. فلم تعد سوى مقصوفة!
.
أسترق النظر للحسناء التي تجاورني.. البسمة..الحرية..والبريق.
أستنشق عبير الضحكة لأعود!!.. أنسحب ببطأ.
ألتحف في الدور العلوي...
أحلم.. أتعايش.. أستغرق في الخيال
ثم أكتب ..
انا شبح

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

الطريق

عزيزتي ..
التدوين يعد افضل وسيلة للاستمرار في تلك الحياة أو ما يطلق عليها غالباً، إننا نضمن به أنه بالتأكيد سيخلد عندنا حدث ينعش قلوبنا المسكينة حينما نتذكره.

أحببت أن احكي لكِ الكثير من التفاصيل لكن أنتي لن تقري هذا وتضيعي وقتك الذي أحسبه ثميناً، وعليه أستطيع إخبارك أن الحياة الانعزالية البعيدة عن التجدد مثل التاج الذي لا يراه سوى الطموحين الذين لم أكن منهم كما كنت أعتقد دائماً، فأنا العجوز الذي أمضى زهرة شبابه باحثاً هنا وهناك عن تلك اللوحات التي تبهر الناس دائماً حتى أصبحوا يُقسِمون بها صباحاً ومساءاً، مضى في مساره وهو يعلم أنه لا مجال للعودة عندما يصل للنهاية لكن عناده انتصر عليه كما يفعل دائماً، وانبهر برسومات لم يلبث أن تأكد أنها كانت على حائط يسد طريقه الذي يجب ان يسلكه أو هكذا كان يخطط دائماً، لم يدرك حتى أن الوقت نفذ منه حتى يعمل على تعديل الأمور.

يا لي من أخرق!!
بالتأكيد ستقولين أن هناك أمل دائماً كما إعتدت أن أسمعك تقولين دائماًـ لكن أفيقي!! الأمل موجود لكن في الأجيال، نحن سرقتنا الحياة كما تفعل دائماً، بحق ما تقدسين!! أنت لم تريني منذ فترة لكنك ستدركين تماماً ما أقول عند رؤيتي، لقد أصبح جسدي هزيلاً والعمر الأعرج يرافقه في كل مكان، وقلبي يذبل كما تذبل رسائلي يومياً، وروحي لاتجد وصفاً غير ضحكاتك الساخرة لتعبر عنها، عزيزتي حقاً لا يوجد أمل.

هلا علمتي لماذا أكتب!!
أكتب حتى أضع حداً لك لتعلمي، حتى لا تفني حياتك كما فعلت أنا في البحث عن الانبهار الذي يشعر به الناس، بجدران كانت تحطم احلامي في الطريق الذي لم أستمتع فيه سوى بالدقائق الأولى، أنا اكتب إليك حتى تدركي أنه سد لا تذهبي إليه وتضيعي الكثير..

عزيزتي عندما ستعبرين الطريق التي اخترته لنفسك في أمان وترين الحائط قد ترسخ خلفك ستفتح لك أبواب الجنان التي كنت دائماً تحملين مفاتحها لكنك لا تدرين أين الأبواب.

اذهبي ولا تتركي شيئاً خلفك فلا يوجد ما تندمين عليه، وأنا سانتظر الخلاص في كل دقيقة، عسى ان أستطيع أن أفعل ما عجز عنه الجميع، لكني ما زلت أشعر أني لست على مايرام وأن الخلاص سيكون أبدياً لكن إلى تلك اللحظة انتظري رسالتي القادمة!!
ما دمت سأحيا فانتظري رسائلي..
المخلص دائماً.!