السبت، 26 سبتمبر 2015

كل شئ هادئ في سماء المحروسة*


"من كل مجموعة من المقاتلين الأصدقاء، تتخطف المنية الغالبية في المعارك الأولى، ويبقى بعد ذلك عدد محدود، يبدو كأنه اكتسب نوعاً من الحصانة ضد الموت، يظل صامداً طيلة الحرب كلها، ولو امتدت سنوات كاملة...
وكان الجاويش (هـ) واحداً من هذه القلة المحصنة، جُند وهو في سن العشرين عند اندلاع الحرب، ولم يفته شئ من معاركها العنيفة الأولى. وها هو اليوم، محارب قديم في سن الرابعة والعشرين، يقبع خلف بندقيته طيلة ساعات النهار، وينام إلى جوارها شبه يقظان في الظلام، يصارع البق والقمل، ويداعب الفئران والجرذان.. وذلك بعد أن تجمدت المعارك في أكبر حرب خنادق عرفها التاريخ..."

كان صوت الراوي يخرج هادئاً خفيضاً، ولكنه يسري واضحاً مسموعاً في هدأة الليل وسكون العنبر..
واستطرد:
وكاد الجاويش (هـ) أن يصبح أسطورة، خاصة بين المجندين الجدد من صغار الشبان، الذين لا يزيد سن غالبيتهم عن السابعة عشر أو الثامنة عشر، وهو الذين ازدادت نسبتهم في صفوف المقاتلين في الشهور الأخيرة، كما زادت نسبة القتلى في صفوفهم لاخضرار عودهم وقلة خبرتهم في فنون القتال. وقد اشتهر الجاويش (هـ) كواحد من أمهر القناصة، لا تكاد طلقته تخطئ واحداً ممن يخطئون التحرك على الجانب الآخر من خط النار، فبين أي ظل من هياكلهم أو أي شئ من أطرافهم..."

كان الراوي يتحدث وهو ممدد على برشه، يطل رأسه إطلالة خفيفة فوق مخدته المصنوعة من "بدلة الشغل"، وهو في وضعه هذا لا يكاد يختلف اختلافاً يلحظ عن بقية سكان العنبر الممددين على أبراشهم على جانبي الطرقة، حتى إذا تلصص "غفر الليل" من "العين"، لا يستطيع أن يرى إلا نياما. وكان المعتقلون ينصتون في شغف واهتمام، إلى درجة أنهم لا يجدون عناء في مغالبة النعاس الجميل، بعد عناء يوم العذاب.
واستطرد:
"وفي يوم من أيام الربيع الأخيرة، ربيع 1918، كان الجو جميلاً، والشمس تملأ الدنيا دفئاً، والجنود يختلسون النظر إلى السماء الصافية من مكامنهم تحت الأرض... وعلى حافة الخنادق، وسط الأوحال، تبرز نبتة عنيدة او زهرة صغيرة. وحملت موجات نسيم ربيعي فراشة بيضاء، راحت تحط على تلك الأزهار الغريبة التي تمتص غذائها من بقايا البشر...
كان الصمت يلف الميدان كشأنه في تلك الأيام، وهو صمت لا يمزقه – بين الحين والحين- إلا طلقة من بندقية قناص، تجر في أذيالها صدى كالصفير، يخفت بعد لحظات في نغم حاد كئيب، أشبه بصراخ ذئب معدني صغير.. يعود بعدها الصمت المنذر يلف الروابي والتلال المجرحة التي تشقها الخنادق، وتكسوها الأشلاء والحفر، وتعمرها الأسلاك الشائكة والألغام....
وربما يصطحب صوت الطلق الناري بصرراخ ينبعثمن جندي أصيب على هذا الجانب أو ذاك من خط النار.. ولكن، مع مصي الأيام، يتعود القتلى على أن يتلقوا الرصاص في صمت وهدوء.."

صمت الراوي لحظة... وازداد الهدوء عمقاً في عنبر (1) العتيد... وتعلقت أنفاس المستمعين وهم ينصتون إلى ما يتذكره الراوي من مناظر وأحداث فيلم رآه منذ أكثر من عشر سنوات، وكثيراً ما يضيف من عنده عندما لا تواتيه الذاكرة...
وبصوت يزداد انفعالاً، ويزداد انخفاضاً، ويزداد وضوحاً في السكون الشامل... استطرد:
"الجاويش (هـ) قابع في مكمنه خلف بندقيته، وهو يرقب الجانب الآخر من خط النار بعين لا تغمض، وهو المشهود له باليقظة وإحكام الهدف.. غير أن جو الربيع الأخاذ لا يكاد يترك للشاب فرصة للتركيز.. ها هي فراشة بيضاء تعلو وتهبط مع النسمات الرقيقة الدافئة فتشد انتباهه .. وها هي تقترب فتلفت نظره –لأول مرة- إلى أن حولها نبتاً طازجاً وزهراً جميلاً متفتحاً.. وها هي الفراشة تقترب من حافة الخندق.. ويستطيع (هـ) أن يتأمل الفراشة عن قرب، بجناحيها الكبيرين البيضاوين، ويستطيع حتى أن يتبين خطوطاً سوداء موشاه في تنسيق بديع عند الحواف، ويستطيع أن يتابع حركاتها الموقعة، وهي ترفع جناحيها إلى أعلى وتضمها معاً، ليصبحا وكأنهما راع واحد كبير أبيض، يتمايل فوق مركب سحري صغير، ثم وهي تفردها فجأة، وكأنها أوزة بيضاء ترفرف خارجة من جدول ماء في قريته.
"ويمد الشاب يده نحو الفراشة..
وتتركز الكاميرا على اليد الممدودة.. يد قوية متناسقة مشدودة العضلات، تمتد نحو زهرة صغيرة عليها فراشة، وعلى تلك اللوحة الأليفة الفريدة التي تملأ الشاشة يدوي صوت طلق ناري، يعقبه ذلك الصدى المعدني الحاد الكئيب...
:ولا تتحرك الكاميرا عن وضعها .. ولكن، مع خفوت الصدى المعدني، ترتخي عضلات اليد الممدودة، وتنكمش وتذبل، وتنسحب خارجة من الشاشة، لتسقط مع صاحبها الذي أصبح جثة مكومة في قاع خندقه...
وعلى أنغام حزينة صارخة، تدور الكاميرا دورة متمردة على الميدان الغربي، الذي يعود أشد ما يكون هدوءاً ووحشة ووحشية"

وران على العنبر السحيق هدوء شامل.
وبعد أن التقط الراوي أنفاسه، واستعاد شيئاً من هدوئه، تسلل من موضعه فيوسط العبر إلى برشه في الطرف الأقصى القريب من الباب.

***
وفي صباح اليوم التالي، وبينما طابور العمل يساق إلى الجبل تحت ضربات الشوم، وبينما نجلس نحن القرفصاء في مجموعة "الدرجات" في انتظار سوقنا إلى عملنا المهين في الأوردي، أصابتني ضربة شاردة من الشاويش كامل، ولم اكد ألاحظ -بيني وبين نفسي- أنها أخف من المألوف، حتى فوجئت بالشاويش كامل يميل عليّ قائلاً ويهمس:- ماذا حدث للجندي الذي مد يده نحو الفراشة؟!

________________________________________________________
(*) هذا النص مقتبس بالكامل من كتاب الأوردي مذكرات سجين لـ د.سعد زهران

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

مأساة السيد ماكار

في البداية..
الشخصيات الآتي ذكرها  تلك المرة ليست كتلك السابقة في رواية الفقراء لفيدور ديستويفسكي، فقد تم اقتباس الأسماء والأماكن، فقط للتمثيل بمدى العلاقة التي تربط طرفي هذه القصة، ولم نجد أفضل من علاقة ماكار وماتوشكا (كما كان يدعوها)، لذلك يجب أن أنوه أن الأسماء والأحداث وإن كانت تتشابه فانها تتشابه لفرض تلخيص العلاقة ليس أكثر، وإنما بطلي التدوينة القادمة يختلفان في الاهتمامات والسن وربما الخيال، فمن الممكن أن يكون بطلا الفقراء من خيال ديستويفسكي الخالص، لكني أضمن لك أن تلك التدوينة ليست بالشرط من خيالي، وإنما تتشابه مع الحقيقة بشكل ملتوى حيناً وواضح وصريح أحياناً أخرى.. وشكراً
J


الغضب..26 يونيو/حزيران

بعد عودته من العمل، وتناول الغذاء، سحب السيد (ماكار) أحد الكراسي الموجوده في غرفته، إلى قبالة مكتبه، وجلس عليه، واضعاً أمامه بعض الأوراق البيضاء، وشرع في الكتابة.

"الآنسة المحترمة فارفارا دوبرزيولوفا...
منذ فترة ليست ببعيدة قابلت (فيدورا)
في الطريق وأنا عائد من عملي، تبادلنا التحية والأحاديث وبعض الأخبار، ونقلت إلى رغبتك في الابتعاد، وأنني أصبحت مصدراً للازعاج والاحراج، ولا يصح لسيدة ستتزوج قريباً مثلك أن يكون لها صديق مثلي، وأن خطيبك لا يؤيد أبداً أي صداقة بيني وبينك، وأنه وضع قراراً بأن نبتعد، وأنه ليس علينا أن نتبادل الرسائل او الهدايا بعد الآن، وبعدها قالت لي (فيدورا) أنه لم يكن من السهل عليك أن تبلغيني بتلك الامور، وأنك أمرتها بأن تنقل إليّ هذا القرار.

في البداية كنت أظن أني اكثر تماسكاً، وأني أستطيع أن أتحمل كل ما تقدمه لي الأيام، فقد تحملت السخرية، الكثير والكثير منها، من زملائي في العمل، وجيراني في السكن، حتى وانا أسير في الشارع، أرى الناس من حولي تتهامس وتشير نحوي، أحياناً يخفون أفواههم حتى لا أشعر بشئ، وكثيراً ما يتهامسون بصوت يصل إلى آذاني في بجاحة وتملق، لكني اعتدت ألا أهتم بما يظنه الناس عني، بالتحديد الناس الغريبة، أنا من أعرف نفسي وأنا من يجب ان يحكم عليها، هذا لا يغير من الأمر شئ، وبالتالي فإنه لا يثير أبداً في نفسي غضباً، لقد تحملت مثل هذه الأمور كثيراً، ولا أعبأ، أما العذاب الحقيقي فهو سخرية نفسي مني، تلك الأفكار التي لا أستطيع التخلص منها، في بعض اللحظات التي انعم فيها بالهدوء من الناس، لكنها تكون لحظات قاسية، فأصوات عقلي لا تكون وسط الناس بالوضوح الذي تكون به في اللحظات التي انعم فيها بالعزلة، لتطاردني دائماً وتنهش في أفكاري وذكرياتي، في النوم وأثناء تناولي الطعام وفي مكتب العمل، هذا يعد عذاباً فعليا لكني أتحمله في صبر وتجلد، فالأيام لا تتشابه بشكل او بآخر، وكذلك أحوال الناس. ولا بد أن تنتهي كل تلك المأساه.
 وأثناء هذا اتضحت لي أموراً كنت غافلاً عنها، فما كان الناس من حولي يسخرون منه كنت أنا آخر من أعلمه، فما علمته وفهمته من همس بعض زملائي في المكتب المجاور لمكتبي، أن خطيبك لم يكتفي فقط بقرراته المتعجرفة، لكنه الآن يشرع في نشر الأكاذيب عني، وقول ما لا يصح في حقي.

وفي ذلك السياق.. أنا عاجز عن إخفاء شعوري الجارف، بادانتك ادانة كاملة على ما وصلت إليه الأمور، أن أخفي مدى أحقيتي الكاملة في القول أنك المذنب الأول في كل الأذي الذي تعرضت وأتعرض له في الآونة الأخيرة، حيث إن كل ما كان يحنقني كان مركزه وسببه أنت يا آنسة (دوبزيولوفا). وحتى تتضح النوايا وتتضح الأمور، وحتى تهدأ نفسي المرتابه، يجب ان أوضح لك بعض الحقائق، لست بصدد أن أعاتبك على شئ فعلته، ربما لأنني أرغب في المستقبل أكثر مما أحن إلى الماضي، او أن العتاب لا يجوز إلا للأصدقاء، وأنت أنهيتي صداقتنا بكل بساطه، دون حتى ان تكلفي نفسك عناء، توضيح أسباب مقنعة، أو حتى دون رسالة توضح قرارك، رسالة تشفي اضطراب نفسي التي اتصور أنك تعرفينها، نفسي التي شعرت في البداية أن ذلك ليس حقيقياً، ثم ما إن اصطدمت بقسوة الانتظار، حتى بدأت في التشكيك اننا كنا أصدقاء يوما ما.

إن كان لي أن أعبر لك عن شئ فبالتأكيد سأبدأ بالدهشة، فالصدمة، فالغضب، ثم خيبة الامل، انقطاع الرجاء، فقدان الإيمان، فلا خيط يا آنسة من الممكن أن أتمسك به في تلك الفترة من حياتي المديدة البائسة، لا شئ من الممكن أن يغريني بالبقاء هنا لأحارب، أن أقاوم واتجاهل، كل هواجس الانعزال التي تنتابني كل ساعة، وتزداد يوماً بعد يوم، حتى في الأحلام، ذاك العالم الوردي، الذي أصبح ملبداً بالمخاوف والكوابيس التي اعجز عن معالجتها، العالم أصبح مكاناً يفوق احتمالات الصبر، ويالعجب أني لم أكن أتصور ذلك من قبل،فما كان بالأمس يمثل قوة، بات اليوم مصدراً للخزي ومنبعاً للازعاج والاحراج والعذاب.



لكن على قدر إيماني بأنك المُدان الرئيسي فيما جرت إليه الأحداث، فأنا أؤمن إيماناً كاملاً، بان صداقتنا كانت أصدق من أي شئ عرفته يوماً ما، حقيقية للدرجة التي من الممكن ان تجعلها قَسَم، لا شئ أو شخص من الممكن ان يحول إيماني بذلك، حتى  إذا كان هذا الشخص هو أنت، لأن صداقتنا، وذلك الشعور الجميل الذي كنت تخلفينه يا آنسة (دوبرزيولوفا)، ملكي انا، ليس من حق أحد أن يشكك فيه أو ان يسلبه مني بأي شكل من الأشكال، أو يقلل من شأنه بالتسفيه والاحتقار.
 
أنا لا أكرهك يا (فارنكا)، أبداُ لم ولن أفعل، لكنك لم تتركي فرصة أتشبث بها كي أسامح كل ما فعلتيه وكل ما تسببتي فيه، أن أتخلى عن احساس الرخص وتقليل القيمة الذي جعلتيني أشعر به، أن أتخيل أنك تعيشين ما اعيشه، تشعرين بما أشعر به، حانقة كما انا حانق، حتى الفرص الضعيفة التي كنت أتشبث بها، كنت تقطعينها بكل سذاجة وكأنك غير عابئة بأي شئ."

توقف السيد (ماكار) عند تلك النقطة، ووضع قلمه على المكتب، وأخذ يتنفس بمجهود وصوت واضحين، كمن كان  يخوض معركة لأول مرة في حياته، وفي ثواني بدات الدموع تسيل من عينيه التي أحاطت بهما هالتا سوداتان، وأمسك الورقة التي كتب فيها ومزقها بقوة، فيما احمر وجهه، وبرزت عروق عنقه وشعر صدره ببعض الاختناق، ففي تلك اللحظة كان السيد (ماكار) ينتحب وبشده. 



النص..
27 يوليو/تموز

أثناء جلوس السيد (ماكار أليكسفتش) يائساً ومجهداً على مقعده أمام الطاولة المليئة بالكتب والأوراق والأقلام المبعثرة، وهي ظاهرة تكررت كثيراً في الأيام الأخيرة، لانشغاله بمشاكله الخاصة، في وقت العمل، قرر الكتابة، وبشكل عفوي كمن اعتاد على ما يفعله، وضع ورقة بيضاء امامه وشرع في الكتابة.

"ربما الصلاة لا تكفي، صلوات الصباح والمساء في القيام وعند جلوساً وعلى الجنب، ربما القرابين لا تصلح، فقد منعها الشيطان، أو أن المقام لم يصبح كما كان، ربما الرحيل، أو غبائي، عرفاناً وتأسفاً وغضباً وكراهية، تولد شعوري الغامر بالحنين، لأمسية قديمة، للمسة أنامل رقيقة تعزف، لجسد منهك لقلب لاهث لآذان تُصغي، لرائحة قهوة نفاذه، فجوة تمتص..  تكسر.. تنتهك؛ حيثما تتواجدين لا توجد..  تتلاشى لقدومك، تنهار لابتسامتك، فتعود الحياة للمرح والحب والدموع، كرؤيا خاطفة للجمال، كبهجة.. تخطف تتابع الأيام البطئ، ياللعجب.. لا أجد نفسي وحيداً.  حتى جاء الشيطان، بعثر كل أحلامي في الحياة، فتمثلت صورتك كما لم تكن من قبل، ينتابها الضباب، يوماً بعد يوم، أكسب الأعوام بروده وعزله، مهدداً كل الآمال، محرومة من وجه الجمال، محرومة من الحياة.
 صليت وركعت واستجديت الكرام وقدمت القرابيين، ذكرت مجالس الخمر، وافتتحت بالنسيب حيناً، وقدمت الحكمة أحياناً، لا صوت، لا رد، لا اجابة، لا شفاء؛  فلا أحد يقاوم شيطان.  عادت الفجوة أكثر اتساعاً، تمتص، تكسر، تنتهك. 
وفي خضم اضطرابي ويأسي من مرور الأيام الذابلة سريعاً، قابلت الشيطان، سأل: إلى أين المسير؟، فقلت: أروح لمجالس القوم، قال: عد فلا قوم لك في تلك المنازل، فإننا قد سكناها، فلا جدوى لمسيرك، قلت: وما الدليل؟، قال: أترى بعينيك؟، قلت: نعم، فسرنا حتى وصلنا إلى أطلال كانت يوماً من الأيام منازل، وما إن هممنا إلى الدخول حتى نعقت أبوام سمراء، تعشش على أسطح تلك المنازل الخربة، فتوقفت على إثر ذلك، ونظرت جانباً فرأيت عينيه قد تطايرت منها الكراهية، فألقيت بحملي إليه، والتفت سريعاً وركضت ركضاً طويلاً، ملتمساً طريقي للعوده. 
فمن أغضب شيطاناً نجا.. ومن لبث الشيطان في بيته هالك لا مفر."

وبعد انتهائه من هذه القطعة، طوى الورقة بعناية، وووضعها بدقة في ظرف، ثم قلب الظرف وكتب عليه "إلى السيد ألكسندر بوشكين.. آملاً في رد من حضراتكم"، وبالأسفل كتب عنوناً في مدينة (ميخايلوفسكوي)، وبعدها نادى على ساعي المكتب، وأمره بأن عليه ان يوصل هذا الظرف إلى مكتب البريد سريعاً قبل أن ياتي ميعاد اغلاقه وانصراف الموظفين منه.
 
 

الواقع..30 أغسطس/آب

الآنسة فارفارا دبروزيولوفا..
غداً أهاجر سفراً بلا رجعة، وذهاباً بلا عوده، راجياً أن أفعل ما عجزت عن فعله طيلة السنوات الماضية، وهو أن أصبح تلميذاً للسيد (ألكسندر بوشكين) الشاعر العظيم.. فقد راسلته منذ فترة، ودعاني إلى أمسية شعرية في منزله بمنفاه في مدينة  (ميخايلوفسكوي)، وعلى امل كبير بان أنضم إلى مجموعة تلامذته، فقد آثرت أن انقل محل عملي إلى هناك، وقد تم الموافقة على ذلك أول أمس، وأظن ان هذا الانتقال اسعد المدير كثيراً.
قرأت يوماً أن على المرء إذا ما واجهته الحياة بالآلام فعليه أن يكون جديراً بها، ولكن يوجد شيء واحد فقط يروعني , و هو ألا أكون جديرا بالآمي*، والفترة السابقة اتاحت لي فرصة مناسبة كي أوجه آلامي لكي أنجز ما أردت تحقيقه دائماً، والفضل في ذلك يعود لك، سأغمس شعوري الغامر بالحزن لكي أخرج نصاً حقيقياً، ملتزماً، سأغمس ألمي في كتابتي لكي أكون جديراً بما اعاني. سأكتب لكي لا يكون هناك داع من الحزن.   


فأيضاً لا مجال للقول أننا سنعيش بذلك الشعور إلى الأبد، لكن يكفي أنه في لحظة ما في يوم من الأيام سنقرأ تلك الكلمات ونتذكر الأيام الخوالي التي كنا نتراسل بها، سنتذكر ونبتسم، ونَحِن مرةً أخرى، سنتستمد شعوراً من الماضي لنؤمن بعدالة الواقع، لا يجب ان يكون ذلك الشعور، شعور بالخزي او الخجل، لا يجب أن نجعل الحزن يسيطر على قلوبنا، ويخيم على ذكرياتنا في الايام الجميلة التي قضيناها في الكتابة والمراسلة، وتلك اللحظات القصيرة التي كنا نتبادل فيها الحديث وجهاً لوجه.

تقبلي مني وداعاً اخيراً، وأملاً أبدياً في السعادة لكلينا


ماكار أليكسفتش 

الخميس، 12 يونيو 2014

مشهدان


مشهد رأسي..

نحن نجلس الآن في طاولة في قهوة ضيقة جداً بالكاد تتحمل الرواد، يتصاعد الدخان من جميع النواحي، فعلى الجانب الأيمن حوالي خمسة أشخاص يلبسون الجلابيب البيضاء المميزة للبدو والعرب، سأموا من الانتظار ويحاولون تضيع الوقت في مهاترات كلامية فارغة ليست مضحكة على الاطلاق، أو في اشعال سجائر بطريقة هستيرية تكاد لا ترى أصابعهم الا وتتشابك فيها السجائر، أو تسمع كركرة شيشة، وتميز رائحة المعسل، وعلى الجانب الآخر محامي رث الهيئة، بربطة عنق غير أنيقة بالمرة، يقارب وزنه المائة ويتشابك وجهه السمين مع جسده، بعنق قصير جداً، شاربه كشارب هتلر، والحق انه أشبه بالعم (فيرنون) في سلسة (هاري بوتر)، الأغلب ان هذا الشخص هو محامي!!! . أصوات كثيرة متداخلة أحاديث حول أحكام وقوانين جنايات وعن الاحوال العامة والاجتماعية والبعض يختلس النظر لمن حوله ثم يتحدث بصوت خفيض -الواضح انها امور سياسية-.
أنا ورفيقي في المنتصف بدأنا في محاولة بائسة للغناء، جائتنا أخبار سيئة عن رفاق القاهرة، وننتظر اخبار رفاق الأسكندرية،

"آخر خبر في الراديوهات وف الكنايس والجوامع وف الحواري والشوارع وع القهاوي والبارات .. جيفارا مات .. جيفارا مات"

يقطع الغناء بعض المكالمات الهاتفية، وينضم لنا رفاق آخرون ونغادر المكان. بعد قضاء ساعتين مع القهوة والفراغ، سيارات الترحيلات تأخرت ويجب علي العودة إلى المنزل بسرعة.



مشهد آخر ..

تتحرك سيارة بها أربعة عشر شخصاً، يجلس في الصف الثاني شاب، مجرد شاب، ترك رأسه يستريح على النافذة في محاولة لاختلاس فرصة ليغفو قليلاً حتى يصل لمحطته التي هي أيضاً محطة السائق الأخيرة.. تمضي بعض الدقائق، وتبدأ معها الأفكار تتداخل الأصوات، والمشاهد، يغمض عينيه وقد وصل إلى بداية النوم بشكل فعلي، تلتقط أذنه حديث بين سيدتين، لم يعلم هل هما معه في الحلم أم أنهما من الركاب لكن الحديث كان يدور.. لم يلق بالاً في أول الأمر، لكن انتباهه جُذب حين سمع كلمة (اختطاف)، جاهد حتى يجعل جسده يعتدل في جلسته على الفور حين تأكد انه لم يكن يهلوس، هذا حديث في الصف الخلفي بالنسبة له سيدة تحكي عن قصة ابنها لسيدة أخرى بجوارها، لم يمتلك الجرأة لكي ينظر إلى وجوههم حتى لا يقطع حديثهما لكنه ظل منصتاً بشكل دقيق.

يمكن يكون من القلة المحظوظة اللي الفرصة خلتها تشوف عتمة الزنزانة، بس متطولش فيها، التجربة اللي البيت كله عاش فيها مكنتش سهلة أبداً احنا مكناش فاكرين اننا ممكن يحصل لحد فينا كده، لكننا دايماً بنقول الحمد لله، هو بيقول ان الموضوع ده فاده كتير، مع ان التجربة مكنتش سهلة، حتى نتايجها مكنتش بسيطة أبداً.
لما خرج .. كان مجرد انه يرجع يعيش حياة شخص عادي تعتبر طموح بالنسبة لي، كان فيه شئ ناقص، فيه حاجة نسيها جوا. شعور جفاء طول الوقت لكل الناس اللي بيحبهم، حتى لما وصل البيت لما خدته في حضني وقعدت أعيط، هو فضل ثابت وهو اللي بيهديني، عينيه كان فيها غضب ويأس عمري ماشفته في عينه قبل كده، كلمت كل صحابه وقلتلهم انه وصل البيت وخليتهم ييجوا علطول، عشان يخرجوه من الجو النفسي ده، وبرغم انهم أول ما وصلوا هو اللي كان بيقلهم بابتسامته المعهودة عاملين ايه؟! الا ان اليوم كله أنا كنت شايفه عليه هالة من العتمة، انا عارفة ابني كويس لما بيكدب وهو كان كداب لما كان بيقول للناس انه كويس، كنت مستغربة انه بيضحك، وخجولة أقعد معاه يحكيلي عن حاجة، أنا عمري ما كنت بفهم ابني، هو اللي كان دايماً يحكيلي على الحقيقة اللي وصلنالها، أنا دايماً مؤمنة ان الانسان كل ما سنه بيزيد خبرته في الحياة بتزيد، لكن ابني كان حاجة تانية، ابني كان هو اللي بيقولي على حكاياته، هو اللي كان بيديني النصايح في الحياة، هو اللي كان بيحكيلي عن صحابه المظلومين، كان برغم انه بينزل كتير إلا انه كان شاطر في مذاكرته وفاهم كويس جداً، عمري ما كنت أحسب اننا في يوم من الأيام هنشجعه يسيب ثانوية عامة، لكنه تقبل الموضوع بكل بساطة.
بعد يومين وانا في المطبخ لقيته جاي وحط ورقة قدامي ومشي، متكلمش أي كلمة، أنا كنت مذهوله من سكوته ده، لكن شغفي اني أشوف اللي مكتوب في الرسالة نساني اني أكلمه، طلع من المطبخ وأن بفكر انه ممكن عاوز يتكلم أو يقول حاجة ودي أفضل طريقة هو شايفها للتعبير عن نفسه دلوقتي.. قريت الورقة وبكيت بعدها كتير، استني الورقة أنا شايلاها معايا دايماً مفارقتهاش من ساعتها، استني أقراهالك..

"كانت اللعنة المتلازمة هناك هي لعنة الوقت، انك تكون مش عارف المفروض تعمل ايه، عشان تضيع وقتك، انك تكون بتقول يا رب وانت مش في مخيلتك إلهك اللي فضلت دايماً تعبده، انك تتعايش مع العفن لحد ما تكون جزء منه، انك تحس بالذل وكل اللي تعرفهم بترموا بأفظع الشتايم، وانت مش من حقك تتنفس ان الأذى المادي عندك أهون بكتيير من انك تفقد الأمل، في كل شئ، سواء في الحياة أو الموت، انك تحاول تجذب الأفكار لعقلك بأي طريقة حتى ولو كانت الأفكار دي جنونية بالنسبة لمنطقك.
"الظلام والجوع واليأس كان يكوينا هناك".

النهارده الصبح كان أول مرة يتكلم فيها معايا.. صحا من النوم وراحلي وأول ما شافني حاضني جامد جداً وقاللي "الثورة جاية يا ماما متخافيش".

مر الوقت سريعاً، حتى أن الحكاية حين انتهت، كانت السيارة قد وصلت محطتها الأخيرة، نسى الآخرون محطاتهم التي كانوا سيهبطون فيها في المنتصف.
صمت.....
ماذا من المفترض ان يقول شخص عاقل في نفس هذا الموقف؟!!، توقف السائق، حيث وصلنا أخيراً، ولم يتحرك أحد، ثم وببطئ شديد فتح رجل باب السيارة وهبط منها والتفت إلى السيدة وقال لها "أنا آسف" ، وتتابع الباقي من بعده ببطئ، يفعلون نفس فعلته مع تغيير أنواع الكلمات والمجاملات، حتى لم يتبقى سوى السيدتان وهذا الشاب، هم بالنزول اولاً وكان لا يعلم ماذا من المفترض أن يقول أو أن يفعل، كان يريد أن يختلس النظر إلى وجهها عساها أماً لأحد أصدقائه، إلا أنه وعكس ما يتوقع تماماً هبط بهدوء ورفع شنطته فوق ظهره ولم يحاول حتى أن يتكلم، الصمت في هذا كان أفضل ما يمكن فعله.

وعلى أنغام دندنته سار في محاولة لابعاد أفكاره الشريرة.
"عليكي .. بعتب عليكي .. من عنيكي.. من نظرة ف عنيكي .. من وردة دبلت بين ايديكي .. بعتب عليكي"         












السبت، 17 مايو 2014

غنوة للموت



في لقاء تلفيزيوني في فترة ما قبل الثورة، كان فيه مذيع مستضيف خالد ابو النجا وسأله "لو حابب تكون شخصية خيالية تختار مين؟!"، خالد يومها مسبش مساحة للانتظار أو التفكير ورد كإن الاجابة مترتبة والسؤال مألوف . "كنت أحب اني اكون زيوس الاله عند اليونان القديمة، عندي هيئة بشري كاملة، لكني أملك القدرة على تحريك كل حاجة وخلق عالم كامل !!".

كل حكاية أو فيلم كان الكاتب بيحاول انه يصنع عالم كامل، ومختلف بشئ من الكلية، بيفشل في جزئية أو تفصيلة حتى ولو كانت صغيرة، ان لم تكن في فكرة العالم نفسه زي فيلم (the invention of lying) فبتكون في الشخصيات.
الكاتب في الحالة دي طبيعته البشرية بتفرض نفسها في الحكاية، فمش غريب، انه يوقف العالم عشان شخصية رئيسية ماتت.
يمكن من الروايات القليلة اللي حسيت انها انتهت بنهاية سعيدة تقريباً ومنطقية في نفس الوقت هي سلسلة (harry potter) لان النهاية اتبنت على منطق أكتر من مشاعر تعاطف الكاتبة مع شخصياتها، (رولينج) أصيبت بجنون الدم بشكل مخيف في الجزء الأخير قتلت أبطال جانبيين كتير ووصفت مشاهد قتلهم أو موتهم بمنتهى السخرية سواء موت (ألاستور مودي) أو (لوبين وتونكس) أو حتى (فريد ويزلي)، الجزء ده هي تفوقت على نفسها فعلاً في كل حاجة وأخرجت جزء أشبه للكمال، بعكس الجزء الخامس اللي مخبتش مظاهر تعاطفها تجاه (هاري) لما (سيرياس بلاك) مات .


الموت  
على الفراش تستلقي، تنظر بعينين شبه مغمضة إلى شرفة الحجرة المطلة على أشجار التوت، وقد وقفت بعض العصافير على أغصانها تغرد، في لحن هادئ يشوبه قليل من الحزن، تشتم الورود التي قد وُضعت بجانبك، تأتي الممرضة في تلك اللحظة لتعلمك أن أبناءك قد أتوا لزيارتك اليوم، تبتسم لسماع الخبر، وحين يدخل عليك العائلة، أبنائك أحفادك والجميع، تنظر إلى صورة زوجتك الوفية موضوعة على الطاولة تبتسم لها، وتنسحب من الحياة بهدوء، وابتسامتك لا تخبو، وتسرع إلى لقاءها في موعد غرامي في عالم آخر كما الأيام الخوالي.

هذا ليس هو الموت، الموت لص متخفي يتحين الفرصة المناسبة حين تأمن للحياة، يختطف الفريسه المناسبة لازعاجك، ويترك لك فجوة كي تتأثر... البعض يبكي لأيام وليالي، والبعض الآخر يحاول كتابة بعض الرثاء ظناً ان روح من مات، تظل ترفرف حولهم، تستمع لاطرائاتهم الساذجة.! روحه التي تذهب بعيداً حين يبدأ الناس في نسيان الذكرى كما تبدأ صورته في الذهاب بعيداً عن أذهانهم.
"حقاً لو كان الموت رجلاً لأخذته السخرية منكم حد الجنون"

أسوأ من الموت انك تعيش بذكراه ..
أسوأ من الموت انك تبطل تخاف منه ..
أسوأ من الموت انك تستخف بيه ..
أسوأ من الموت هو الخلود في حياة لا نهائية !!

هل ممكن حياتك تتربط بحد ميت؟!!
الفكرة نفسها مخيفة، لكن الحقيقة الأكثر رسوخاًً عند الناس، أن مجرد التذكر يعبر عن الكثير من الولاء، كما الكتابة ولاء لبعض الأشياء ولشخص واحد.

في مقالتها (حقائق عن قلب الكاتب) (جانيت لوبلانك) كانت بتقول " الحقيقة الثانية: الكاتب لديه عشيقة سريّة دائمًا .... هي ربّة الإلهام واسمها ميوز. يعمل لها بإخلاص. يفعل أي شيء لإرضائها وإبقائها قريبة. بالغزل، بالإغواء. يجثو على ركبه، يرافع عن قضيته أمامها بيأس. وعندما تتركه -كما تفعل دائمًا- عليه أن يكتب حتى يكتشف طريق العودة إليها. لأنها لا تستجيب إلا للأفعال".
الميزة اللي ممكن تحصل عليها من ارتباطك بشخص ميت، انك مكون أبعاد وملامح واضحة ليه، ابتسامته، أسلوبه في الكلام، عقليته، ضحكته .. الخ، لكن نقطة الضعف ان تعاملك مع الشخص الميت مش هيكون نابع غير بهوسك للماضي.

لما سألت ياسمين أكرم -وهي من أفضل كٌتاب المدونات بالنسبالي لحد دلوقتي- عن الناستولوجيا، قالتلي " النوستالجيا بتبقى مرض ، لما بتفصلك عن الواقع و عن كل الحاجات الجميلة اللى بتعيشها أو ممكن تعيشها لمجرد أنك محبوس ف صورة قديمة ، مش قادر تتخيل صورة أجمل منها .النوستالجيا خداعة كمان ، لأنها بتصورلك إمبارح بشكل خادع ، بتخليك تفتكره بشكله أجمل ، مع أن الحقيقة هى أنك لو رجعت تعيشه تانى حتكتشف أنه عكس كده ! فى رواية لميلان كونديرا أسمها " كائن لا تحتمل خفته " بيقول فيها : " هل بالإمكان إدانة ماهو زائل ؟ إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين ، حتى على المقصلة "


كان نفسي أكتب حاجة لمي سليم، لكن علاقتي السطحية بيها مسعدتنيش في الكتابة عنها، غير اني دايماً في حكايتي حقول انها أول شخص أتعامل معاه في (civil work) وتعملي انترفيو، وبرغم سني الصغير في الوقت ده الا انها محسستنيش بده بعكس معظم الناس.
دي صورة من آخر مرة أشوف فيها مي
ربنا يرحمها ..



الأحد، 4 مايو 2014

لمجرد الهوس

ايه تعريف الجنون !!
ان الروابط بين الأشياء تفقد تماسكها بشكل متسلسل .. انك تبذل قصارى جهدك لعمل نظرية من لا شئ..انك تعيد النَهج كل مرة في انتظار نتائج مختلفة.
يقال أن المجنون هو الشخص اللي بيفشل في تكوين علاقات اجتماعية مع غيره من الناس، هو مش بيحط اعتبارات أبداً، وبيجرد الناس من كل اللي بيملكوه من تملق وسياسة، كلامه بيكون قاسي جداً لكنه حقيقي بدرجة مدهشة.

في يوم رحت درس العربي وكنا بندرس حكاية شاعر، وهب حياته في سبيل انه يلاقي شعر موصلهوش حد، كلمات مختلفة، ألفاظ قوية وجديدة، ونغمة متسمعتش قبل كده، يقدر يعبر عن الحياة بشكل مختلف وعميق، وفضل يجري ورا حلمه لدرجة ان حلمه خلاه ميديش فرصة لقلبه انه يحب بنت أو يقع في غرامها، وفي بيت من أبياته كان بيتكلم عن نفسه وبيقول "لم يعشق الغيد لكنه ... هام ببكر من بنات الخيال"، الأستاذ لما شرح البيت ده بالذات، كل اللي في القاعة فضلوا يضحكوا، لكني اتأثرت جداً بالفكرة ومكنتش عاوز ان الأبيات تنتهي بيأسه وقراره التوقف عن الحياة الأدبية بشكل كامل لانه آمن ان حلمه مستحيل، اسم الشاعر ده هو (عبد الرحمن شكري).
حاولت أعرف أكتر عن قصة حياته، ومقدرتش أجمع عنه غير انه عاش طول حياته وحيد وكان مجتهد جداً تجاه حلمه زي ما كان بيوصف نفسه في الأبيات، وان العقاد قال عنه "الرائد الضي سبق زمانه في عدة حسنات مأثورات" ولما أصابه الياس وقرر انه يعتزل الحياة الأدبية، قام حرق معظم أعماله إن لم يكن كلها، ومات واتدفن في اسكندرية في صمت وتجاهل سخيف.

النهارده وطول الفترة اللي فاتت كنت بخمر فكرة اني أقف عن نشر أي حاجة جديدة وأكتفي بسرد مذكرات وخواطر فقط، وحتى اشعار آخر، وده بعد تفكير عميق جداً في كلام (محمود صابر). "متنشرش حاجة فقط لمجرد النشر"، كنت بفكر في ان النشر ممكن يتحط في اعتبار انه نتاج لهوس الظهور في عقلنا الباطن زيه زي أي فعل تجاه أي شئ، أنا مش مؤمن باعتقاد اننا المفروض نتعامل على أساس ان الانسان ناقص، لكن المفروض ندور عن المثالية، ونفضل متمسكين بالفكرة لحد ما نموت، أكيد احنا مش كاملين، لكن ساعتها حنقدر نوصل لأقرب نقطة للمثالية، لو اقتنعنا تمام القناعة بفكرة ان الانسان مش كامل وبدأنا نتعامل على الأساس ده، فاحنا منستحقش أبداً  ان ربنا يحاسبنا على أي أفعال.

 مرة سالت شخص أشعاره عزيزة جداً علياً: ايه اللي خلاه يبدأ في الشعر بجدية!!، أخد وقت كده وهو بيشرب سيجارته ببطئ وبينفخ دخانها، وبصلي وقاللي عارف يا حاتم أنا بدأت أقول شعر عشان لقيت انه أكتر حاجة بتعجب البنات، استغربت جداً ساعتها، ممكن مش عشان الاجابة صريحة وغير مألوفة بشكل غير متوقع، على قد ما انها مش واضحة بالنسبالي، عشان هو حالياً بيكتب عن حب الوطن بشكل أكثر عمقاً، أفكاره الحالية واهتماماته ممنعتهوش انه يصارح الناس بماضيه وبدايته اللي كانت بشكل أو بآخر في وصوله للمرحلة دي!!، يومها كان أكتر جملة بترن في ودني هي "خليك صريح مع نفسك واتسامح مع ماضيها"    




                       
     

السبت، 8 مارس 2014

جنون ... درويش

نحو إعادة لحظات لم تكمل المشهد ..
درويش ..على الأرض تدب خطواته، روح ..تبحث عن شئ مفقود غير معلوم الكيان، يذوب عشقاً في صوت سكير، توحي كسرة الباء بشدة ألم عشقه، لمن لم يتواجدوا بشكل واضح، عشق ..يجعل الزمن يتوقف للحظات يزداد عندها حجم القمر ويراقب همسات الناس وضحكاتهم بشكل أبطأ، قد أصبح مدمناً لمجالس العشق.

مشهد عنده نزل الوحي..
ضحكة صافية ..لشابة في العشرين تلهم سائقاً، بكونه فارساً لبضع دقائق متهورة، تأنق ..بشكل هستيري لتلبية دعوة، جنة ..ليست كجنة الخلد، لكنها قد تصبح طريقاً، مغفلون ... ظنوا لوهلة بانعدام الخطيئة، والمكان ..كانت تحرسه الشياطين.

والاهداء كان...
إلى اللاأحد الذي يملئ تلك الشقوق الضيقة في لحظات النشوة بالجنون، والتصنيف ..كان مجهول فهمه على أحد    

ألا فأيها الدرويش خلصني...!  

              


الخميس، 13 فبراير 2014

رسالة لم يكتبها ديستويفسكي

** قبل البدأ فقط := فان التدوينة التالية مستوحاه من رواية المساكين لديستويفسكي والشخصيات من صناعته، أما الأحداث الوارده فلم تذكر في الرواية أبداً، وإنما هي من وحي خيالي، وشكراً :)   

عزيزي الغالي جداً ماكار أليكسييفتش!

   لرغبتي الشديدة في أن أفعل شيئاً يسرك، جزاء ما تحملت في سبيلي من عناء شديد، وما عانيت من هم ، وجزاء ما محضتني من عاطفة صادقة، فقد انتهيت أخيراً من الكتابة التي شعرت بالمشقة فيها، هذه ستكون أولى الرسائل الطويلة التي أرسلها لك، حتى أنك ستلاحظ يا صديقي العزيز مدى طول الكلمات وسوء الخط، أعذر صديقتك المسكينة فلم يكن سهلاً عليها أن تكتب أسوأ حالة عاشتها في حياتها، من رسالة تكاد لا تساوي روبيلاً واحداً لكنها تحوي الكثير من المعاني الأليمة، لماذا نعيش دائماً في بؤس يا ماكار، نحن لم نفعل شيئاً لنستحق كل هذا العذاب في حياتنا، ستستطيع أن تدرك معاني كثيرة في رسالتي يا ماكار، ستتحاشى التفكير في اذلال نفسك من أجل صديقتك التي لا تملك شيئاً لتقدمه لك سوى الدعاء، تغمرها انت بهداياك القيمة من حين لآخر، وتتنازل في المقابل عن شراء معطف جديد للشتاء، أو أزرار جديدة لقميصك البالي الذي يسخر منه أصدقائك في العمل يومياً كما أعتقد.. حقاً يا ماكار ماذا تفعل؟!!

  "يجب أن أقول الآن أني سادع مجالاً للكلمات لتخبرك عن هذا الانسان الذي كان من بين من لقيتهم في حياتي من الرجال أغربهم وأدعاهم إلى العجب وأبعثهم على الشفقة، ولئن كنت سأدع المجال للتكلم هنا في هذا الموضوع بعينه في رسائلي ومذكراتي، فلأنني لم ألق إليه بالاً إلى ذلك الحين، غير ان كل ما يتصل ببوكروفسكي أخذ يعنيني بين عشية وضحاها.
   أولست طائرك الصغير وملاكك الجميل!! فلتتحمل من أجلي تلك المرة اذًا ...

  لم يكن ثمة شمس فالغيوم كانت تغطي السماء بشكل كثيف يكاد لا يدخل إلى الكنيسة ضوء من النهار، إلا أن عقارب الساعة لعبت دورها بشكل كامل في ضبط ادراك الوقت لدينا، لقد خُيل إلي أن الطبيعة كانت تتفق مع كآبة اليوم الذي ازداد بكآبتي أنا أيضاً، فلم يذهب أحد إلى القداس غيري أنا وبوكروفسكي العجوز الذي كان يتصرف بغرابة تشنج إلى أبعد الحدود مما جعل الناس تبتعد كلما حاول الاقتراب منهم، يا للمسكين لقد جُن من فقدان ابنه العزيز!، أما أنا فكانت تسري بي رعدات من الهلع والخوف استمرت لحين اغلاق التابوت وتسميره وتحميله على العربة التي لكز صاحبها الحصان بقوة، فركض بسرعة لم يستطع بوكروفسكي العجوز مجاراتها،إلا أنه ظل يركض وراء العربة ولم يستكن لأنفاسه المتقطعة والأمطار التي كانت تهطل بغزارة ذاك اليوم على سان بطرسبرج، ولم يعبأ أيضاً لقبعته الرثة التي تطايرت إثر الركض مع الحالة الجوية السيئة، فهطلت الامطار على راسه الأصع وهو مستمر في الركض.

   راقبت كل هذا من امام باب الكنيسة التي كانت قد خلت من الناس، مثلها مثل الشارع الذي خلا من المارة، كان الحزن البادي على المسكينين يمزق قلبي ويجعلني أشعر بالتعب من التفكير تدريجياً، لماذا يعاملون ذاك الشاب اللطيف الذي اختطفه الموت بتلك الحقارة، لماذا يعاملون أباه بذلك البرود، الحق أن العجوز كان مزعجاً في أغلب الأحيان حتى بالنسبه لابنه، لكنه لم يترك فرصة واحدة لجعله سعيداً أو ابعاد الهموم عن قلبه، هذا العجوز يفتقد ابنه فلماذا كل هذا الجفاء!!.  آثرت بعد كل ما رأيت أن أعود إلى أمي المريضة في البيت وقد بدأت أشعر بالخدر فعلياً من التعب يسري في أوصالي، تنهدت وعزمت على أن آخذ قبعة العجوز لأردها له في أقرب فرصة يأتي فيها إلى بيت بوكروفسكي الشاب، هو في الأغلب سيأتي ليطالب بمكتبة ابنه الراحل من آنا فيدورفانا، وسيتعالى صوتهم حينها كما فعلوا أمس وهو ما جعل السيدة فيدورفانا تتراجع عن فكرة الذهاب إلى الكنيسة في آخر لحظة، اقتربت من القبعة التي كانت قد امتلئت بمياه المطر، فكانت رثة كما كان صاحبها، أسرعت بسكب الماء من تجويفها وهممت بالرحيل إلا انه استوقفتني تلك الورقة الصغيرة التي سقطت من القبعة، كانت من الورق المقوى الذي لا يُكتب عليه وانما تلف فيه المشتريات، لكن ليس على العجوز حرج في شئ بعد كل ما أراه منه من غرابة أطوار، كانت صغيرة وقد ابتلت عن آخرها بمياه المطر لكن الكتابة فيها ما زالت واضحة فقررت أن آخذها وأحتفظ بها مع القبعة.            

  مرت الليالي والأيام، ولا أعلم أين ذهب ذلك العجوز، لم أشتاق لرؤيته أبداً إلا تلك المرة لأتخلص من عبأ ما أحتفظ به له، أخشى أن يكون قد آذى نفسه، لو كنت مكانه لما ترددت مطلقاً في الانتحار، لطالما أخبرني الأب أنطوان أن الجنة أفضل من هنا بكثير مكان واسع ملئ بالحرية ناكل ثمرات التفاح دون الخوف من الخطيئة، ونلهو كثيراً باحتساء نبيذ يعود عمره إلى قرون، هي ليست بعيدة لنا فنحن لم نرتكب جرماً في الحياة لأننا لم نملكها مطلقاً، لطالما تعذبنا هنا يا ماكار، أعلم أن الله سيرحمنا حين نموت، نحن الذين لم ننس الكنيسة يوماً لماذا قد لا ندخل الجنة ؟!! "اذا لم يظهر العجوز خلال ثلالة ايام فسأكشف أمر الورقة وليكن ما يكون عسى أن ترتاح نفسي" هكذا تراودت الأفكار في هدوء. 

مرت الثلاثة أيام ببطأ غير معهود، كان شعوري بالسوء يزداد كلما دقت ساعة الحائط، تعلن اقترابي أكثر من اكتشاف مكنون الورقة، كنت كلما أستيقظ وأنظر لسقف الحجرة الذي بلى من الأمطار من عدم اكتراث صاحبة المنزل، كنت أشعر بالخوف أيضاً، الحقيقة أن الخواطر كانت تراودني بأن شعوري بالسوء سيزداد إن فتحت وقرأت الورقة، كنت أشعر بأن هناك رابط خفي بيني وبينها فمنذ متى يهوى العجوز الكتابة في ورقة صغيرة وفي ليلة موت ابنه الوحيد، لكن ايضاً ظهور العجوز سيزيد من شعوري بالسوء، ربما تلك العينان وأنف والوجه والكثير من غرابة الأطوار واحمرار الأذنين، أعتقد يا ماكار أني أصبحت بلا جدوى في الحياة، أو أني أستحضر للموت فقد أصبحت مؤخراً بلهاء وطيبة القلب إلى أكثر ما يمكن تصوره، حتى أن فيدورا فاجئتني بقولها " إني أتمنى ألا تكوني طيبة القلب هكذا استحضاراً للموت" الحق يا ماكار أني اخاف في الحياة اكثر مما أحياها.

  يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتها لم تقابل أبي تلك اليلة، يا ليتها آثرت البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب لتلك الحانة فلم تغرم بعينيه، يا ليتني لم أقابل بوكروفسكي ولا اباه ابداً.
إنني تعيسة دائماً يا صديقي المخلص لقد قرأت الرسالة ويا ليتني لم أفعل، أعتقد أني ساخلد في الجنة بعد الموت يا ماكار بالطبع سأكون من بعدك، فنحن لم نشتري من الحياة إلا البؤس، أنا أقول هذا يا صديقي لاني احسب أنك تستمتع بالقراءة والمراسلة، ثانياً لإني حقاً سأموت كمداً إذا لم اتحدث مع احد فيما أريد، أنت تعطف علينا كثيراً، ولا تجد منا غير الابتسام والدعاء ولكن هذا بالفعل أغلى ما نملكه، لقد توقفت عن العمل وفيدورا تستكمل، أنا في حالة مزاجية سيئة للغاية بسبب ذكرى شخص ميت مذكورة في رسالة شخص معتوه، يا للسخرية!!، سأكتب إليك نصاً من الرسالة، على أمل أن تحمل منها قليلاً من همومي كما اعهدك دائماً.

(باتنكا إلى أين ذهبت وتركتني؟!!، أشعرت بالملل من أباك الذي يحبك ويحترق وجهه كلما أحس بأن وجوده يضايقك فقررت الرحيل، يا بني العزيز كم ستكون سعيداً مع امك الجميلة، أو تعلم يا باتنكا أني لم أُغرم سوى بعيني أمك فقط يا صغيري في هذه الدنيا، يالخطئي ويالمعصيتي لقد سببت لك الكثير من الاحراج يا ابني الطيب القلب، يا ولدي المسكين، لطالما كنت مصدر ازعاج واحراج ولم أكن املك الوقت للاعتذار لأني متأكد من اني سأسيئ التصرف كالعادة حتى وقت الاعتذار، أنا متأكد أيضاً من أنك ترقد بسلام الآن، لكن الحياة هنا كانت جميلة بوجودك يا صغيري، فلماذا آثرت الرحيل، لماذا لم تصارح آباك بما يحدث لك من مشكلات وأزمات مادية أنت تعلم أني سأحاول حلها بطرق كثيرة، أه يا باتناك لماذا لم تفعل؟!!، أنا أدرك تماماً بشأن حبك لتلك الفتاة التي تسكن في الغرفة المجاورة لغرفتك، نعم أعلم أنك لم تقل لي لكني أباك وكنت أشبهك كثيراً في شبابي فعندما أغرمت بأمك كنت أحاول أنا الفت نظرها بأكثر الطرق المثيرة للشفقة التي قد تعلمها، لكن هذا ليس مجالنا، أتعلم أن فارنكا لم تساعدني فقط في شراء هديتك وانما كانت الهدية كلها من مالها الخاص وآثرت أن أقدمها أنا لك حتى نكون سعيدين نحن الاثنان، تلك الماكرة أنا مدرك تماماً إلى حد اليقين أنها تحبك يا بني وانما منعها الخجل فقط من تقديم الهدية فزعمت بان تقديمي انا سيُعد أفضل، لقد ظلت تبكي كثيراً أمس وحتى اليوم وأصبح وجهها شاحباً بسبب موتك، أنا أراهن بأنها كانت تحبك يا عزيزي أيضاً، فلماذا فضلت الرحيل وتركت هذا العذاب على قلب تلك الآنسة الجميلة يحطم ما لم تمسه الأيام حتى الآن، كنت اتمنى أن تقبل دعوتي للعودة، لكني اعلم أنك ستفضل البقاء، لكن أرجوك صلي لنا جميعاً، أنا وفيدورا وفارنكا أيضاً ولا تنسى ذلك السيد ماكار فهو لديه الكثير من المشكلات بحجم طيبة قلبه وعطفه، صلي من أجلنا جميعا وأرسل قبلاتي إلى حبيبتي .. أمك يا باتنكا الصغير)

 ماكار ..
تعال لزيارتنا قريباً، ولا تلق بالاً لما سيقوله الناس فأنا سأتقبله بقلب صامد لكني حقاً لن أحيا إن لم أرك في القريب العاجل، لقد أصبحت ضعيفة للغاية، وصحتي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، هذا المخرف زاد همومي هماً ولا أعرف السبب الرئيسي وراء ذلك، لماذا يدعي بما لا يعلم، هل كنت انا بالفعل السبب الرئيسي لإكتئاب بوكروفسكي الشاب مما آل إلى موته ؟!!، أنا لا أعرف أي شئ، حتى أني لا أعرف نفسي أحياناً، لا أستطيع التوقف عن التفكير ولاأستطيع أن أسامح هذا العجوز على اقتراف خطاً لا ادرك مدى فداحته بالنسبة لي، أم أنا المتغطرسة التي لا تقبل على نفسها الكلام؟!!.
أنا أدرك مدى انشغال فيدورا بعملها، وأشعر بالامتنان لها كثيراً حيال ما تحمل عني من أعباء العمل حين أشعر بالسوء، وبالرغم من هذا فأنا لا أشعر بالرضا مطلقاً عندما أصارحها بما يدور في حياتي.
أنت، أنت صاحبي في تلك الحياة، ومراسلتك هي اللذة التي تشعرني بالغبطة، حتى أني فكرت لو أنك لا تستسلم لسخطك ويأسك لشككت أنك قديس أرسله الاله ليسلي سنوات بقائي هنا، فلا تتأخر عن الزيارة ولا تعتذر كما تفعل دائما، أنا حقاً أحتاج إلى الحديث معك لساعات كثيرة، وإلا فستكون انت سبباً رئيسياً في زيادة حالتي سوءاً، لا أعلم ماذا أقول لك لكن إن كان هذا سيشجعك على المجئ والحديث، فأنا قد عرض عليّ أمس الزواج وأفكر بجدية في القبول.

أنتظر زيارتك بما تحمله كلمات الصبر والشوق من معاني وأرسل لك رسالتي سريعاً قبل أنا تأتيني مصائب أخرى أزعجك بها، وقبل أن أنسى فإن فيدورا ترسل تحياتها وإلى حين زيارتك القريبة فسأبقى وأظل دائماً ملاكك الصغير.

فارفارا دوبروزيولوفا