الأحد، 30 أبريل 2017

غنوة للموت II

في زمن بوذا كانت هناك امرأة في ريعان الشباب تُدعى (كريشا كوتامي)، رزقها الله بمولود صغير، يملئ القلب سعادة، ويمنح الروح السلام، ويغمُر الأيام بالتجدد، والحياة بالمعنى. عاشت في ظل ذلك الهناء شهورًا لم يُكتب لها أن تُتم العام الواحد، حتى جاء المرض ينهش الجسد الصغير، ويرقده الفراش لأيام، ولم يتركه إلا وقد أسلمت الروح نفسها للموت، وأخذت معها كل سلام في قلب الأم. وأصبح فؤاد (كريشا) فارغًا تقضي الأيام في الطرقات حاملةً جثة الصغير الهزيلة، تلتمس بها السائلين، وتجوب الأروقة، مسحوقةً بالحزن، مكبلةً بالألم، تتوسل كل من كانت تلقاه أن يشير عليها بكيفية تعيد بها الحياة لهذا الصغير. لم تعبأ للمتجاهلين وناعتيها بالجنون، وظلت تبحث وتسال المارة، حتى نصحها رجل حكيم بالتوجه إلى بوذا نفسه، فذهبت إلى لقاءه، ووضعت الجثة الصغيرة أمامه وحكت له مأساتها، فاستمع إليها بمنتهى الشفقة، وقال بهدوء: "ليس هناك إلا دواء واحدًا للداء الذي يُؤرقكِ، انزلي إلى المدينة، وعودي إليّ بحبة خردل تكون من بيت لم يعرف أبدًا أي ميت.."

طرقت الأبواب رغبة في العثور على الدواء، وتاقت نفسها للرجوع إلى بوذا محملة بالإجابة، ولكن الإجابات ظلت كما هي، فبالنسبة للخردل فليس هناك أي مشكلة، لكنها لم تجد البيت الذي بإمكانه أن يعطيها الخردل بالشرط الذي وضعه لها بوذا، وبنهاية اليوم كان التعب قد أنهكها، وقد طرقت معظم الأبواب. ولا أمل في العثور على الدواء. فصعدت إلى بوذا لا تحمل إلا اليأس، فلا أمل لعودة الصغير إلى الحياة، ولا جدوى لبحثها الحثيث.

العودة بالدواء..
تتخذ الموعظة من تلك القصة مركزيتها في عودة المرأة إلى بوذا محملةً بالإجابة الحقيقية الوحيدة، فبكل ثقة وامتلاء عادت المرأة وهي لا تؤمن بشئ قدر إيمانها بالتقلب واللادوام، وأن المؤرِق الحقيقي لها هو ذلك الأمل، والتوقع بامتلاك العالم وامتلاك معناه وحقيقته، فالحكمة تكمن دائمًا في أن نتخلى عن كل ما هو زائل وغير حقيقي، تكمن في التخلي عن كل ما بإمكانه أن يُفقد، وكبوذية خاشعة آمنت أن اليأس هو الإجابة، ولا طريق للسعادة إلا من خلاله..!

إذا حاولنا استعادة القصة مرة أخرى، سنجد أن المرأة كان عليها أن تتوقع شيء آخر في البداية، ففي بداية هبوطها إلى المدينة كانت تتوقع دواءً من نوع آخر، دواء بإمكانه أن يُعيد الحياة إلى رضيعها مرة أخرى، فهي لم تبحث عن معنى في البداية قدر بحثها عن إجابة محددة ودواء لغرض معين، وحكمة بوذا كانت تهدف لكشفها عن رمزية هذا الفقد، وهل بإمكانه أن يكون في صالحها، ثم كانت هناك مرحلة من العناء لبلوغ هذا الغرض، ومرحلة في المنتصف بالتأكيد بدأت فيها التساؤل عن مكانتها المتسائلة الحقيقية، مرحلة "لماذا بإمكان الموت أن يختطف الصغار؟!" ثم مرحلة التسليم التام، "من أنا كي أضع قواعد للموت؟!" ومن ذلك السؤال الأخير بدأت في بناء قناعتها باليأس المضاد لكل تعلق والمضاد لكل أمل، فمن هذا الأمل يأتي الشقاء دائمًا.

لماذا الأمل ضروري؟!
القناعات المركبة دائمًا بحاجة لمضاد يبررها، هل كان بإمكان المرأة أن تصل إلى تلك القناعة إلا بقناعتها الطموحة السابقة، وعنائها الذي باء بالفشل في النهاية، هذا اليأس لا يمكن أن ينمو إلا بفشل شخصي، فشل نطبع عليه مكانتنا الوجودية من هذا العالم. اليأس إذا غير مبرر في ذاته ولا يُمكن أن يُخلق إلا في ظل أمل يبرره، ويقتات عليه، فالحياة وفق الواقع تقتضي أن نؤمن بتجربة العنفوان، والامل والتمسك القوي بالحياة، لأن هذه الهشاشة التي تحكم الحياة، لا يُمكن بحال من الأحوال أن تُكتشف إلا بتجربة شخصية.

الحياة وفق الموت..
رغم إحاطة حقيقة الموت بالموجودات كلها، فهناك اختلاف في تصور الفكرة وإدراكها وتقبلها، فالانسان يتميز بقلقه الوجودي، وتتمايز أفراده في مقدار ما يشكله الموت لها، لذلك اهتمت الحكمة القديمة أن تستوعب الحياة في إطار الموت، وجاءت الأديان لتؤكد أن الحكمة كل الحكمة هي في تقبل الفناء، واللادوام، وأن الموت حقيقة لا يُمكن الفرار منها، وهذه الحقيقة هي المُعطى الاساسي في عملية فهم الحياة، فالسعادة مرتبطة بتقبل الحياة كما هي، وبفنائها، وبالتخفف من أحمالها.



الثلاثاء، 11 أبريل 2017

كنس مدخنة

حينما نريد أن نتحدث عن شئ ما، نحاول في البداية حصره وتأطيره، واكتشاف سياق يمكن أن يوضع فيه، ونشرع في الحديث عنه بعد ذلك. هذه العملية تُهمل أجزاء كثيرة قد تبدو للمتكلم ليست ذات أهمية، لكنها في الحقيقة تُشكل جزء من الاكتمال -على الأقل بالنسبة للمستمع-.
ما أريد قوله هو أنه لا يُمكن بحال من الأحوال أن نصف بشكل متطابق، نعم.. قد نقترب من المعنى، ونعم.. قد يصل هذا الاقتراب إلى المستمع، لكن محاولة الادعاء بأن هذا الكلام يطابق هذه الحقيقة هو من مجال المبالغة الفجة، إن قدرتنا نحن كبشر على مطابقة الحقيقة من خلال الكلام هراء وسخف، وحالما ندرك هذه الحقيقة يتمثل لنا سؤال الحقيقة بكل خيلاء... ما هي؟! وهل بامكاننا أن نحصرها؟! هل بامكاننا أن نتجاوز ما نسميه الحقيقة؟!
هذا بسيط للغاية لكنه جنوني لأننا حالما نعتبر الكتابة وصف رمزي للواقع، لا نعلم أيعني هذا أن الواقع أكبر من ذلك الرمز، أم أن الكتابة ليست سوى تعبير عن علاقات عابرة تافهة سعيدة!؟

"أستيقظ فأعود إلى الرتابة.. إلى اللاشئ.. لم أقفز بعد إلى هاوية، أنا على الحافة. لم تكن نهايتي إلا سراب، نهايتي أصبحت مألوفة أيضًا، كمخاوفي وهروبي، عقلي يتصارع بعنف، بلا حياء، بلا استئذان، أقف في منتصف الصمت، لا صوت قبل، ولا صوت بعد، لا أعلم ماذا أسمي هذا، لكنه ليس الصوت، ليس الضجيج، ليست الحركة، لا أراني، لا أسمعني، ولا أشعر بالألفة. وكأن شيئاً لم يكن.
 كأني لم أتخيل انتحاري بالأمس، كأن الدماء لم تُغرق ذاكرتي بصمت، كأن اللون الأحمر الداكن لم يتسرب ببطئ إلى عيني، كأنني لم أبك على ما فات، وما سيكون، وما يقف في المنتصف شاهدًا على ما حدث. هذا الذي ليس لي ولا أملكه، ولا لغيري ولم يعادني، لكنه صديق مؤرق، يقتطع الملذات، وينغص عليّ أوقاتي بالألم، وينتظر.. مثلما أنا دائماً أنتظر.. أشعر بقطرات ساخنة على خدي، فيدب في نفسي الحنين، وأبكي على ما حدث.. وما سألاقيه!"

أستيقظ تلك المرة وأفتح عيني على الواقع، أتأخر على ميعاد العمل، أكافح كي أصل، لأحصل في النهاية على عقوبة تأخير مغرية، أجلس لأنتظر انتهاء دوامي، لأسير في الشوارع بخطوات واسعة مسرعة.. إلى أين لا أعلم، إلى المنزل غالباً.. أعود إلى المنزل، أعد طعامي أختار ما أنا معتاد عليه، لا أغامر بوقت الطعام، ثم أنزوي إلى سريري كالعادة.. أنام لاكثر من عشر ساعات، لأستيقظ مرة أخرى على دوام عملي.

بالأمس كانت المرة الأولى التي أُفكر فيها بانعدام المعنى، انعدام يشمل كل شيء، يبدأ بكل تلك التفاصيل وينتهي إلى مجموعها، ليس بإمكاني أن أصف بدقة شعوري حيال ذلك، فأي وصف هو في النهاية محاولة للتوضيح، وأي محاولة للوضوح تجربة فاشلة لخلق معنى..!
حينما لا أكون على عجلة من أمري، حينما لا يزعج قلبي أي احساس، حينما ألتقي بغتة بنفسي في الطرقات، تراودني عنها وتدنيني منها، في تلك الأوقات الضئيلة التي لا يؤرقني فيها شئ أشعر بالحنين الجارف وأشعر بتآكل كل شئ داخلي من خلال ذلك الجموح، أشعر بتنامي احساسي بافتقاد الحاضر، وافتقاد الغضب والحماس والطموح، والفرح، والأمان.
لا يمكن إجمال ما أريد قوله إلا باليأس، أعاني من اليأس، وتقطع السُبل. أحاول أن أتمسك بصورة من الماضي، لكنها تتخلى عني ككل الأشياء، أحن إليها بشدة، أعلم أنها صورة لكني أعلم كذلك أني لا أحن إلى شئ قدر ما أحن إلى هذه الصورة.
أين تضيع سنوات الانتظار؟ لا أعلم!
 لم يشفع لي شئ أمام هذا اليأس، لا القراءة ولا الكتابة ولا المحاولات الحثيثة لإدراك اللحظة الراهنة، حتى إيماني المتخاذل دائمًا الذي ظللت أحفظه من كل سوء، وأُنميه وأسقيه من بنات أفكاري، انتهز فرصة ضعفي وهرب!


الجمعة، 31 مارس 2017

عزاء يشبه المقدمة

كيف لي ان أقدم نصًا..!
لدي مشكلة عميقة مع المقدمات، كلما أردت أن أكتب عن موضوع  لا أجد البداية المناسبة، وإذا وجدت تتبخر الروابط، وإذا تشبثت بها -أو بالأحرى تشبثت هي بي- أنسى ما كنت أريد قوله.
 ابتعدت عن الكتابة لما يقارب العامين بسبب العجز عن التقديم، العجز عن تشكيل الروابط، العجز عن الالتفاف حول فكرة أساسية، ظننت دائمًا -أصبح اعتقادًا مؤخرًا- أن تمثيل المشكلة الوجودية المؤرقة للإنسان طوال العصور بالكتابة تمثيل في محله للغاية.
المقدمة عضو أصيل في آلة المنطق، لا يمكن أن تبني برهانًا إلا من خلاله، ولا يمكن أن تعرض أفكارك قبل أن تتجاوزها، هي جزء من نسق يؤمن بالعقلانية، بالسرد التسلسلي، نسق لا يؤمن بفضح الكاتب ولا يفهم تعبيراته الفجة عن خلجات نفسه، نسق لا يحيا في مثل هذا الجنون. التدوين فن تعبيري ملتصق بتلك الحياة، التي لا نعيشها إلا مرة واحدة، لا تتكرر، ولا تتشابه ، ولايمكن أن يُعقلن إلا النذر القليل منها، التدوين عدو للمقدمات، فلا هو يستطيع أن يؤمن بالمجاملات والتزيين، والشفافية، ولا هي تستطيع أن تستوعبه أيضًا، بكل ما يحمله من أفكار تدميرية وكابوسية وعدمية قاتلة، المقدمات سماح للقارئ بالتدخل في خلق النص، نافذة للف المشنقة حول النص المدون.  القارئ لا ينفك في محاولات القراءة والتأويل، هذه وظيفته، لكن ليس من حقه التدخل بمعنى.
 أفلا يدعونا هذا إلى قتل المعنى، وحرقه ونثر رماده على العبارات..!

انشغلت بالفلسفة، ورفعت أستارها في حياء وخجل -أو ربما عدم ثقة-، كنت أريد أن أجد إجابة تعلل تقلب هذا العالم وتغيره، أريد أن أفهم طبيعة هذا النسيان وهذا الحزن، كيف يستطيع القَدَر أن يُشكِل نفسَه من خلالهما، كيف يتسنى له أن يعجن المصائب بمرح، ويتركها تنضج، ويقدمها لنا على طبق من فضة، كنت أتسائل عن الطريقة التي تستطيع السذاجة من خلالها أن تغير المصير، وتقلب السعادة شقاء، والألفة غربة، والسرور إلى عبوس، تساؤلات بلا أجوبة، وما كنت أسأل عنه في البداية، وجدتني أسقط في دوامة من التساؤلات التي تقبع خلفه، فكلما سألت سؤالًا أجد آخر ينتظر قبلًا وإجابات ترغب في حسم أمرها، لا الحزن يرحل، ولا أنا أبتعد،، كل شئ مِلك يدي، أنا سيد ذاك العالم.. أضع الإجابة التي تناسبني، وأثير الشكوك والتساؤلات حول ما يؤرقني، وأجعلهما أساسًا أدور حوله وأسير من خلاله، المشكلة الصغيرة بإمكانها هنا أن تكون مشكلة وجودية، السؤال الصغير تحول إلى مركز، والطريق أصبح محاولة لحصره..!

أُغرمت بالعلاقات والروابط، كيف تتشكل الرابطة بين الأشياء وكيف بإمكاني أن أهدمها رأساً على عقب، كيف بإمكاني أن أخلق عالم متكامل من الحتميات، ثم أخرج من خلاله وأقول أنا حر.. هكذا بكل بساطة، أتكلم بدون ترتيب وأنهي خطابي بسرعة.
فانا الآن ملك ذلك الاختراق أخلقه وأسير خلاله..!

 آمنت في النهاية أن الهجر هو الأساس الذي ننطلق منه في مسار دائري بحثًا عن الذات،  لا نذهب إلى تلك الرحلة قدر ما نساق إليها، فمن ذا الذي يذهب إلى العالم الآخر بكل مرح؟! أمنت أن الألم هو الوسيلة المُثلى لإدراك مدى الاغتراب الذي ننغمس فيه، الوسيلة المُثلى لفهم مدى هشاشة هذا العالم الذي نعيش فيه، نتكأ فيه على فهم الآخرين، ومجهوداتهم، ومنتجاتهم، ووجودهم، وحبهم، أو كراهيتهم حتى، ننعم بكل ما تنتجه الجماعة، ونعيش في رفاهيتها.

 لا يمكنني أن أمجّد ذلك الزيف -ما أراهن على زيفه-، لا يمكن أن أخفض أنيني بانغماسي فيه، ولا يمكنني بحال من الأحوال أن أراهن على الفردانية بكل ما تحمله من هشاشة، لكن ليس هناك سبيل آخر..!
هل بإمكاننا ان نتصالح مع كل ما هو زائف خوفًا من كل ما هو مجهول؟!
 
 الأفضل سبيلًا وعلاجً هو أن ننزوي ونتقوقع مع أنفسنا وداخلها، محاولين أن ننتج ثنائية من أنفسنا مخاطب ومتكلم.  ففي تلك الحالة لا يمكن أن نراهن إلا على الرضا بالشئ الحقيقي الذي صنعناه، لا يمكن أن نضمن إلا ذلك.
 في تلك الحالة نحن من نصنع العالم لا العكس، ونحن من نتحكم في معايير تدخلنا مع العالم، وليس هو، إننا نمسك زمام أمورنا من خلال هذا التقوقع، في محاولة لفهم الأبعاد وضبط الحدود بين الذاتي والجمعي، من أنا؟!  ومن هو؟!.
إننا ندين للهجر بشدة لا يمكن انكارها، ندين له باعتباره سبب أساسي للبحث عن الحقيقة..!

الأحد، 28 أغسطس 2016

ما فعله النص بالكاتب

منذ فترة ليست قصيرة تركت الكتابة المنتظمة بشكل كبير، خصوصاً أن السمة الأساسية التي كنت أكتب من خلالها -سواء ما تم نشره أو ما احتفظت به لنفسي- هي الرسائل، والدافع الأساسي الذي  كان يحرضني على الكتابة هو اكتئابي، ببساطة كنت أكتب لأني غاضب. استجديت الكرام وتذللت لربة الالهام عسى أن أنال منها أسلوباً جديداً، انغمست في رحلة طويلة لمكافحة دوافعي، اعتبرت الكتابة عدو لا يجب التصالح معه، اعتبرتها عنصر تشتيت عن معركة أساسية، وسيلة من وسائل الهروب عن الحقيقة، لقد كانت الكتابة هي الحياة المترفة في وجه حقيقة الفقر.
أصدقاء وهميين، رسائل لمجهولين، أعزاء من طرف آخر لا أعلمه، كانت الرسائل هي شفائي الوحيد -كنت أظن ذلك وقتها-، كانت الكتابة بالنسبة لي محاولة في سبيل الخلاص الفردي الذاتي من غضبي وحزني، لكن ذهبت السمة وبقى الدافع.
أنا الآن لا أكتب لأحد، سأكتب عن كل شئ، لن أدع مجال آخر للتكهن، لأني سانزل جام غضبي على كل ما هو هش. .ضعيف ، لا معنى له، سأنتصر للذوات الضعيفة في مقابل السرديات اللاعقلانية، سأحترم عزلتي وأدوي كالصاعقة، لأني كما قال نيتشه "لهيب" ..!

الكتابة كتعبير عن اللاشئ
"لشئ ما عيوبه دائماً.. وحده اللاشئ كامل"
تقول نانسي هيوستن في كتابها أساتذة اليأس، أن من ضمن الخصائص التي امتاز بها المفكريين العدميين هي الكتابة ومحبة شوبنهاور، ربما تكون الثانية مفهومة ومبررة، القراءة للأب الروحي للعدم هذا أساسي ومنطقي، لكن ما ليس مفهوماً هذا التشارك على الكتابة، الكتابة هي السبيل الوحيد للخلاص الجمعي، الكتابة تتفوق على الانتحار في الخلاص، الكتابة فعل سوداوي عدمي تؤيد النهاية، وتشكل الروابط، وتنسج العلاقات المتعددة؛ كي نصل في النهاية للسرد العدمي، إننا لا نستطيع الهروب من الأفكار العدمية، إن هذه اللاعقلانية واللامنطقية التي أصبحت سمة العصر الآن لن نستطيع الهروب منها بحال من الأحوال إلا من خلال الكتابة، الكتابة هي عزاء العدمي في معركته المستمرة ضد إرادة الحياة، لأن العدمي يستطيع في أي وقت أن ينتحر هكذا ببساطة، لكن هذا شئ لا يليق بشرف الانتماء لفلسفة شوبنهاور، فعلينا بدلًا من أن تخلص من هذه الفرديات الضئيلة المسماه حياتنا، علينا أن نسعى للخلاص الجمعي المتمثل في إفناء هذه الحياة البشرية السخيفة، ولذلك على العدمي أن يقاوم دائماً رغبته في الانتحار كما يقاوم الجندي الهروب من المعركة، هذا الطرح يضعنا في إطار آخر.. وهو لماذا نكتب؟!، هل نحاول فعلاً الخلاص من خلال الكتابة، أم أن أفكارنا الكامنة تؤيد العدمية دون أن نعلم؟!!.


التدوين..
علينا في أي نص نحاول كتابته أن نتقيد بشكل من أشكال الالزام اللغوي، وحتى الذين حاولوا أن ينسلخوا من اللغة قدر الامكان مثل صامويل بيكيت، اشتركوا في كتابة رمزية فقط. لأن الشرط الأساسي في النص المنشور أن يفهمه قارئ، تقول ساخراً: بالتأكيد!.
لكن في حالة التدوين لأنفسنا نحن لسنا ملزمين، لماذا عليّ ان أصنع شكل من أشكال الترابط في النص إذا كنت أنا صاحبه وقارئه؟!، لماذا علي أن أبرر أفعالي طالما انا أعرفها أو أعرف نفسي جيداً؟! اني هنا لا أحاول أن أستنكر وأعترض قدر محاولتي لفهم هذا الشئ المثير للاهتمام، وهو خلق الناس الروابط لأنفسهم؟!
من نحن؟!.. لا أعلم.
إننا نؤكد في كل تدوين أننا لا نعلم من نحن، إننا نتغير، نؤمن بهشاشة معرفة أنفسنا، فمع مضي الوقت لا نكاد نعلم كيف كنا في السابق، إننا نتخيل انفسنا في الماضي لكننا لا نعلم.. حقاً لا نعلم.. ولذلك نصنع روابط لانفسنا المستقبلية لنضيق لها مساحة الخيال، أو لنصنع لها طريقاً أقرب للواقع منه للخيال، إن قيمة النص تكمن في المعاني التي تقف خلف هذا السرد، فكيف لنا ان نتكهن بمعرفة هذا المعنى في وقت كتابته، يا للسخافة الكاتب يكتب ليقرأ بعد فترة من الوقت، لكنه يكتشف أثناء القراءة أنه حقاً لا يعلم عن هذا الكاتب شئ.. إننا نضع لانفسنا أدلة. الكتابة هي تسجيل التداعي..! 

تبرير الكتابة 
أقع دائماً في ورطة التبرير، لماذا أكتب ؟! لماذا أتكلم عن الكتابة أكثر مما أمارسها؟!، أنا لا أكتب منذ حوالي سنتين، لكني لا زلت أفكر في بداية مناسبة، وهذا ما يصنع الخلل والتردد والحيرة، أنا أرى الكتابة بشئ من الكمالية، شئ من المثال النبيل الذي يسعى الانسان إليه، الوسيلة النبيلة التي يتصل من خلالها الانسان بالماضي والحاضر، ويعبر عن أخطائه البشرية وكل ما يتصل بها من أشياء، وأفكار، وآلام، لا أستطيع منع نفسي من الانتقاد، كل شئ.. الأسلوب، الكاتب، افكاره، سرده، معلوماته، الوعاء الفكري والفلسفي الذي انطلق منه، كل شئ قابل للجدال، كل شئ قابل للانتقاد، ربما لأنه سئ جداً، أو لأن كاتبه لا يعلم حقاً ما كتب!، النقد والتمحيص والتحقيق وراء الكاتب، هو ما يصنع من الانسان أفكاره، هو ما يحفز قيمة الغضب والجلد والرغبة في الأحسن، هو ما يمكن أن يقلب عالم الثقافة الراكد، لكني ما إن أشرع في الكتابة حتى أقع في أخطاء أشد من التي أتصيدها..!

الكتابة كتنفيس عن الغضب..
الكتابة فعل يقوم على ارادة، هي ليست فعل سليقي كالشعر، لا يحتاج الانسان فيه سوى أن يمتزج شعوره برغباته وأفكاره ويبدأ في التعبير عن نفسه في سيل من التراكيب والمفردات المكونة في عقله، والشعر إن لم يخرج سليقياً فقد انتفى منه جانب مهم من جوانبه،  رغم ان هناك من الشعراء من كان ينقح شعره، فيخرج في كل عام قصائده بعد تنقيح شديد، -مدرسة الحوليات مثلاً-،  إلا أن الشعر يكون أفضل وأجود كلما كان سليقياً، والنسق الشعري ربما لا يريده الشاعر، فقد يرمي إلى معنى، وتكتشف أنت معنى لم يخطر على باله أبداً..!،  اما الكتابة فهي بحاجة للارادة، ارادة أن تقول ما عندك، وقدرة بأن تعبر عنه، وفن بأن يخرج كما تريد، وبلاغة أن تصل إلى القارئ كما تريد فعلاً أن تصل، لذلك لا تستطيع أن تصبح كاتباً بسهولة، لذلك تصبح القيود في النص عند الكتابة أكثر، ولذلك لا يمكن لكاتب أن يكتب إلا إذا راجع ما كتب، وأن يفكر في المعنى وما يمكن ان يشكله من معاني ما ورائية، وأن يفكر في ترابط الأفكار والألفاظ، وما إن كانت تشكل نفس المعنى الذي يرمي إليه أم أن الأحداث فقط ليس لها علاقة بأي شئ، وحال تجاوز كل هذه السجون، تدرك في النهاية ان الكتابة لا تخفف عنك وانما هي تقسّي قلبك ليجعلك تواكب ما تستقبله من مصائب، فالكتابة ليست فعل نسيان وإنما الكتابة فعل تذكر، الكتابة ليست وسيلة من وسائل التحرر، لكنها وسيلة من وسائل الحصار، حصار المجتمع لذواتنا المتفردة.. يا للمأساة..!

الخميس، 19 نوفمبر 2015

الاستقبال.. التهيئة. الماهية

أظن أن تهيؤ الانسان لاستقبال وتقبل معرفة ما، مع سابق إقرار نواياه وتوجه كامل ادراكاته، ما هو إلا تمهيد لفتحٍ يفتحه اللهُ على قلبه، فإنك إن كنتَ تريدُ أن تتقرب إلى الله حقَ التقرب، أو أنك  تحب أن تعرف الله خالص الحب، فستتكشف لك الوسائل لذلك.
ووسائل معرفة الله لا تكون إلا بالخير، وبالخير وحده نعرف الله.
وأما الشر فهو انتفاء لوجود الخير، وهُو بذلك يؤدي إلى سبيلين إما أن يَطمس الشرُ على قلب المرء فلا يستطيع إدراك الحقيقة، ولا تستكمل رحلته؛ وذلك لتهيئة في نفسه لهذا الشر، وإما أن تدركَ النفسُ أن الشرَ شرٌ، فتنزع إلى نقيضه وهو الخير، ومن عَرفَ الشر حقاً، نَزَعَ إلى نقيضه. والشر لازم من لوازم وجود الخير، مؤكدٌ لوجوده.
وأما عن التهيئة فهي ليست منحاً إلهياً في ذاته، وإنما المنح الإلهي يكون في التوفيق، وحسن الرأي وصوابه، فالتهيئة الخبيثة لإستقبال النفس الشر إنما هي من عمل الإنسان، أما التهيئة الطيبة لإستقبال الخير فتكون باجتهاد الانسان وتوفيق الله له في ذلك؛ لأن الشر لا يأتي من الخير المحض، والله هو صانع الخير، فلا يصدر عنه شر، ولهذا فإن الشر لا يوجد بشكل محض وإنما هو لازم من لوازم تصورنا عن الخير، فهو ليس مفهوماً بقدر ما هو اصطلاح لادراك نقيضه؛ وهو يكون بسبب اختلاف تصور الأشخاص، أو بسبب زيادة في حد ما أو حصر في حد آخر، وليس الخير المحض كتصورنا البشري عن  الخير المحض، فعلى الرغم من ان الشر ليس صادر من الله، إلا أن الله يعلمه، فهو العالم الأعلم، الخالق للجنة والنار، دار ومصير الناس حسب أصنافهم، شقي وسعيد، ولذلك فإن العلم بالخير والشر وتصوراتهم المتجرده هو جزء من علم الله لا يعلمه إلا هو.
والذهاب بالقول أن حسن الرأي وصوابه إنما هو منح من الله؛ علته أن الانسان يبدأ بالمنطق لكنه لا يستمر عليه، فيدور الشخص في أفلاك من الشك والوهم، ما له فيها من نصير، وذلك أن الخطأ و الهوى جزءٌ من نفسه ممتزجٌ بها، لا يفصل عنها شئ، فإذا كان ما خرج به الانسان صواباً فهو لا يكمن بالتأكيد في رجاحة عقله فقط.
وأما آية وجود خير محض؛ فإن العالم الذي يخلو فيه الأذى تماماً يمكن تصوره وإن استحال تطبيقه، أما الشر المحض فلا يمكن تصوره؛ وذلك أن الانسان وإن سعى إلى أذى كل ما حوله، فإن هذا لا ينفي حقيقة أنه يسعى لارضاء نفسه وذاته، وإن لم تكن الدافع الأول.  وهو أمر خيّرٌ بالنسبة لهذهِ النفس، وهو ما ينفي كون هذا الشر محض. والله أعلم.

ولأن كل شئ له ماهية، من خلالها ندرك حقيقة ذاته بواسطة لوازمه، فالظلام من لوازم وجود الضوء، والضوء من لوازم وجود مصدر له، وهو الشمس، إذاً جزء من من ماهية الشمس هو إصدار الضوء، ولعل ماهية الأشياء محصورة على قصر نظر الناظر فيها والمتفكر بها، فالماهية كونها ماهية خالصة، يوقن الانسان في وجودها، إلا أنها لا يصل إليها بشكل يقيني.
 إن يظن إلا ظناً.

وأحسب أن كل شئ له ماهية واحدة خالصة ومتجرد؛ واجتماع ماهيتين لشئ واحد هو قصور في النظر، واستعجال في الرأي، فالعالم كله صغيره وكبيره، أجرامه وحيوانته، ذواته وماهياته، تدور في فلك واحد، وحسبه ان تكون له ماهية ثنائية، فالماهيتين التي نصل إليهم ما هما إلا تعبير عن ماهية أخرى أكثر تجرداً وهكذا، حتى نصل إلى ماهية واحدة تتحد فيها الأضداد، وماهيات هذه الأشياء كما أسلفنا علم من علم الله، وما نظن إلا ظناً، فلا تدركها نفس ولا تخطر على خيال، ولا تَكَلَم بها أحد.  

السبت، 26 سبتمبر 2015

كل شئ هادئ في سماء المحروسة*


"من كل مجموعة من المقاتلين الأصدقاء، تتخطف المنية الغالبية في المعارك الأولى، ويبقى بعد ذلك عدد محدود، يبدو كأنه اكتسب نوعاً من الحصانة ضد الموت، يظل صامداً طيلة الحرب كلها، ولو امتدت سنوات كاملة...
وكان الجاويش (هـ) واحداً من هذه القلة المحصنة، جُند وهو في سن العشرين عند اندلاع الحرب، ولم يفته شئ من معاركها العنيفة الأولى. وها هو اليوم، محارب قديم في سن الرابعة والعشرين، يقبع خلف بندقيته طيلة ساعات النهار، وينام إلى جوارها شبه يقظان في الظلام، يصارع البق والقمل، ويداعب الفئران والجرذان.. وذلك بعد أن تجمدت المعارك في أكبر حرب خنادق عرفها التاريخ..."

كان صوت الراوي يخرج هادئاً خفيضاً، ولكنه يسري واضحاً مسموعاً في هدأة الليل وسكون العنبر..
واستطرد:
وكاد الجاويش (هـ) أن يصبح أسطورة، خاصة بين المجندين الجدد من صغار الشبان، الذين لا يزيد سن غالبيتهم عن السابعة عشر أو الثامنة عشر، وهو الذين ازدادت نسبتهم في صفوف المقاتلين في الشهور الأخيرة، كما زادت نسبة القتلى في صفوفهم لاخضرار عودهم وقلة خبرتهم في فنون القتال. وقد اشتهر الجاويش (هـ) كواحد من أمهر القناصة، لا تكاد طلقته تخطئ واحداً ممن يخطئون التحرك على الجانب الآخر من خط النار، فبين أي ظل من هياكلهم أو أي شئ من أطرافهم..."

كان الراوي يتحدث وهو ممدد على برشه، يطل رأسه إطلالة خفيفة فوق مخدته المصنوعة من "بدلة الشغل"، وهو في وضعه هذا لا يكاد يختلف اختلافاً يلحظ عن بقية سكان العنبر الممددين على أبراشهم على جانبي الطرقة، حتى إذا تلصص "غفر الليل" من "العين"، لا يستطيع أن يرى إلا نياما. وكان المعتقلون ينصتون في شغف واهتمام، إلى درجة أنهم لا يجدون عناء في مغالبة النعاس الجميل، بعد عناء يوم العذاب.
واستطرد:
"وفي يوم من أيام الربيع الأخيرة، ربيع 1918، كان الجو جميلاً، والشمس تملأ الدنيا دفئاً، والجنود يختلسون النظر إلى السماء الصافية من مكامنهم تحت الأرض... وعلى حافة الخنادق، وسط الأوحال، تبرز نبتة عنيدة او زهرة صغيرة. وحملت موجات نسيم ربيعي فراشة بيضاء، راحت تحط على تلك الأزهار الغريبة التي تمتص غذائها من بقايا البشر...
كان الصمت يلف الميدان كشأنه في تلك الأيام، وهو صمت لا يمزقه – بين الحين والحين- إلا طلقة من بندقية قناص، تجر في أذيالها صدى كالصفير، يخفت بعد لحظات في نغم حاد كئيب، أشبه بصراخ ذئب معدني صغير.. يعود بعدها الصمت المنذر يلف الروابي والتلال المجرحة التي تشقها الخنادق، وتكسوها الأشلاء والحفر، وتعمرها الأسلاك الشائكة والألغام....
وربما يصطحب صوت الطلق الناري بصرراخ ينبعثمن جندي أصيب على هذا الجانب أو ذاك من خط النار.. ولكن، مع مصي الأيام، يتعود القتلى على أن يتلقوا الرصاص في صمت وهدوء.."

صمت الراوي لحظة... وازداد الهدوء عمقاً في عنبر (1) العتيد... وتعلقت أنفاس المستمعين وهم ينصتون إلى ما يتذكره الراوي من مناظر وأحداث فيلم رآه منذ أكثر من عشر سنوات، وكثيراً ما يضيف من عنده عندما لا تواتيه الذاكرة...
وبصوت يزداد انفعالاً، ويزداد انخفاضاً، ويزداد وضوحاً في السكون الشامل... استطرد:
"الجاويش (هـ) قابع في مكمنه خلف بندقيته، وهو يرقب الجانب الآخر من خط النار بعين لا تغمض، وهو المشهود له باليقظة وإحكام الهدف.. غير أن جو الربيع الأخاذ لا يكاد يترك للشاب فرصة للتركيز.. ها هي فراشة بيضاء تعلو وتهبط مع النسمات الرقيقة الدافئة فتشد انتباهه .. وها هي تقترب فتلفت نظره –لأول مرة- إلى أن حولها نبتاً طازجاً وزهراً جميلاً متفتحاً.. وها هي الفراشة تقترب من حافة الخندق.. ويستطيع (هـ) أن يتأمل الفراشة عن قرب، بجناحيها الكبيرين البيضاوين، ويستطيع حتى أن يتبين خطوطاً سوداء موشاه في تنسيق بديع عند الحواف، ويستطيع أن يتابع حركاتها الموقعة، وهي ترفع جناحيها إلى أعلى وتضمها معاً، ليصبحا وكأنهما راع واحد كبير أبيض، يتمايل فوق مركب سحري صغير، ثم وهي تفردها فجأة، وكأنها أوزة بيضاء ترفرف خارجة من جدول ماء في قريته.
"ويمد الشاب يده نحو الفراشة..
وتتركز الكاميرا على اليد الممدودة.. يد قوية متناسقة مشدودة العضلات، تمتد نحو زهرة صغيرة عليها فراشة، وعلى تلك اللوحة الأليفة الفريدة التي تملأ الشاشة يدوي صوت طلق ناري، يعقبه ذلك الصدى المعدني الحاد الكئيب...
:ولا تتحرك الكاميرا عن وضعها .. ولكن، مع خفوت الصدى المعدني، ترتخي عضلات اليد الممدودة، وتنكمش وتذبل، وتنسحب خارجة من الشاشة، لتسقط مع صاحبها الذي أصبح جثة مكومة في قاع خندقه...
وعلى أنغام حزينة صارخة، تدور الكاميرا دورة متمردة على الميدان الغربي، الذي يعود أشد ما يكون هدوءاً ووحشة ووحشية"

وران على العنبر السحيق هدوء شامل.
وبعد أن التقط الراوي أنفاسه، واستعاد شيئاً من هدوئه، تسلل من موضعه فيوسط العبر إلى برشه في الطرف الأقصى القريب من الباب.

***
وفي صباح اليوم التالي، وبينما طابور العمل يساق إلى الجبل تحت ضربات الشوم، وبينما نجلس نحن القرفصاء في مجموعة "الدرجات" في انتظار سوقنا إلى عملنا المهين في الأوردي، أصابتني ضربة شاردة من الشاويش كامل، ولم اكد ألاحظ -بيني وبين نفسي- أنها أخف من المألوف، حتى فوجئت بالشاويش كامل يميل عليّ قائلاً ويهمس:- ماذا حدث للجندي الذي مد يده نحو الفراشة؟!

________________________________________________________
(*) هذا النص مقتبس بالكامل من كتاب الأوردي مذكرات سجين لـ د.سعد زهران

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

مأساة السيد ماكار

في البداية..
الشخصيات الآتي ذكرها  تلك المرة ليست كتلك السابقة في رواية الفقراء لفيدور ديستويفسكي، فقد تم اقتباس الأسماء والأماكن، فقط للتمثيل بمدى العلاقة التي تربط طرفي هذه القصة، ولم نجد أفضل من علاقة ماكار وماتوشكا (كما كان يدعوها)، لذلك يجب أن أنوه أن الأسماء والأحداث وإن كانت تتشابه فانها تتشابه لفرض تلخيص العلاقة ليس أكثر، وإنما بطلي التدوينة القادمة يختلفان في الاهتمامات والسن وربما الخيال، فمن الممكن أن يكون بطلا الفقراء من خيال ديستويفسكي الخالص، لكني أضمن لك أن تلك التدوينة ليست بالشرط من خيالي، وإنما تتشابه مع الحقيقة بشكل ملتوى حيناً وواضح وصريح أحياناً أخرى.. وشكراً
J


الغضب..26 يونيو/حزيران

بعد عودته من العمل، وتناول الغذاء، سحب السيد (ماكار) أحد الكراسي الموجوده في غرفته، إلى قبالة مكتبه، وجلس عليه، واضعاً أمامه بعض الأوراق البيضاء، وشرع في الكتابة.

"الآنسة المحترمة فارفارا دوبرزيولوفا...
منذ فترة ليست ببعيدة قابلت (فيدورا)
في الطريق وأنا عائد من عملي، تبادلنا التحية والأحاديث وبعض الأخبار، ونقلت إلى رغبتك في الابتعاد، وأنني أصبحت مصدراً للازعاج والاحراج، ولا يصح لسيدة ستتزوج قريباً مثلك أن يكون لها صديق مثلي، وأن خطيبك لا يؤيد أبداً أي صداقة بيني وبينك، وأنه وضع قراراً بأن نبتعد، وأنه ليس علينا أن نتبادل الرسائل او الهدايا بعد الآن، وبعدها قالت لي (فيدورا) أنه لم يكن من السهل عليك أن تبلغيني بتلك الامور، وأنك أمرتها بأن تنقل إليّ هذا القرار.

في البداية كنت أظن أني اكثر تماسكاً، وأني أستطيع أن أتحمل كل ما تقدمه لي الأيام، فقد تحملت السخرية، الكثير والكثير منها، من زملائي في العمل، وجيراني في السكن، حتى وانا أسير في الشارع، أرى الناس من حولي تتهامس وتشير نحوي، أحياناً يخفون أفواههم حتى لا أشعر بشئ، وكثيراً ما يتهامسون بصوت يصل إلى آذاني في بجاحة وتملق، لكني اعتدت ألا أهتم بما يظنه الناس عني، بالتحديد الناس الغريبة، أنا من أعرف نفسي وأنا من يجب ان يحكم عليها، هذا لا يغير من الأمر شئ، وبالتالي فإنه لا يثير أبداً في نفسي غضباً، لقد تحملت مثل هذه الأمور كثيراً، ولا أعبأ، أما العذاب الحقيقي فهو سخرية نفسي مني، تلك الأفكار التي لا أستطيع التخلص منها، في بعض اللحظات التي انعم فيها بالهدوء من الناس، لكنها تكون لحظات قاسية، فأصوات عقلي لا تكون وسط الناس بالوضوح الذي تكون به في اللحظات التي انعم فيها بالعزلة، لتطاردني دائماً وتنهش في أفكاري وذكرياتي، في النوم وأثناء تناولي الطعام وفي مكتب العمل، هذا يعد عذاباً فعليا لكني أتحمله في صبر وتجلد، فالأيام لا تتشابه بشكل او بآخر، وكذلك أحوال الناس. ولا بد أن تنتهي كل تلك المأساه.
 وأثناء هذا اتضحت لي أموراً كنت غافلاً عنها، فما كان الناس من حولي يسخرون منه كنت أنا آخر من أعلمه، فما علمته وفهمته من همس بعض زملائي في المكتب المجاور لمكتبي، أن خطيبك لم يكتفي فقط بقرراته المتعجرفة، لكنه الآن يشرع في نشر الأكاذيب عني، وقول ما لا يصح في حقي.

وفي ذلك السياق.. أنا عاجز عن إخفاء شعوري الجارف، بادانتك ادانة كاملة على ما وصلت إليه الأمور، أن أخفي مدى أحقيتي الكاملة في القول أنك المذنب الأول في كل الأذي الذي تعرضت وأتعرض له في الآونة الأخيرة، حيث إن كل ما كان يحنقني كان مركزه وسببه أنت يا آنسة (دوبزيولوفا). وحتى تتضح النوايا وتتضح الأمور، وحتى تهدأ نفسي المرتابه، يجب ان أوضح لك بعض الحقائق، لست بصدد أن أعاتبك على شئ فعلته، ربما لأنني أرغب في المستقبل أكثر مما أحن إلى الماضي، او أن العتاب لا يجوز إلا للأصدقاء، وأنت أنهيتي صداقتنا بكل بساطه، دون حتى ان تكلفي نفسك عناء، توضيح أسباب مقنعة، أو حتى دون رسالة توضح قرارك، رسالة تشفي اضطراب نفسي التي اتصور أنك تعرفينها، نفسي التي شعرت في البداية أن ذلك ليس حقيقياً، ثم ما إن اصطدمت بقسوة الانتظار، حتى بدأت في التشكيك اننا كنا أصدقاء يوما ما.

إن كان لي أن أعبر لك عن شئ فبالتأكيد سأبدأ بالدهشة، فالصدمة، فالغضب، ثم خيبة الامل، انقطاع الرجاء، فقدان الإيمان، فلا خيط يا آنسة من الممكن أن أتمسك به في تلك الفترة من حياتي المديدة البائسة، لا شئ من الممكن أن يغريني بالبقاء هنا لأحارب، أن أقاوم واتجاهل، كل هواجس الانعزال التي تنتابني كل ساعة، وتزداد يوماً بعد يوم، حتى في الأحلام، ذاك العالم الوردي، الذي أصبح ملبداً بالمخاوف والكوابيس التي اعجز عن معالجتها، العالم أصبح مكاناً يفوق احتمالات الصبر، ويالعجب أني لم أكن أتصور ذلك من قبل،فما كان بالأمس يمثل قوة، بات اليوم مصدراً للخزي ومنبعاً للازعاج والاحراج والعذاب.



لكن على قدر إيماني بأنك المُدان الرئيسي فيما جرت إليه الأحداث، فأنا أؤمن إيماناً كاملاً، بان صداقتنا كانت أصدق من أي شئ عرفته يوماً ما، حقيقية للدرجة التي من الممكن ان تجعلها قَسَم، لا شئ أو شخص من الممكن ان يحول إيماني بذلك، حتى  إذا كان هذا الشخص هو أنت، لأن صداقتنا، وذلك الشعور الجميل الذي كنت تخلفينه يا آنسة (دوبرزيولوفا)، ملكي انا، ليس من حق أحد أن يشكك فيه أو ان يسلبه مني بأي شكل من الأشكال، أو يقلل من شأنه بالتسفيه والاحتقار.
 
أنا لا أكرهك يا (فارنكا)، أبداُ لم ولن أفعل، لكنك لم تتركي فرصة أتشبث بها كي أسامح كل ما فعلتيه وكل ما تسببتي فيه، أن أتخلى عن احساس الرخص وتقليل القيمة الذي جعلتيني أشعر به، أن أتخيل أنك تعيشين ما اعيشه، تشعرين بما أشعر به، حانقة كما انا حانق، حتى الفرص الضعيفة التي كنت أتشبث بها، كنت تقطعينها بكل سذاجة وكأنك غير عابئة بأي شئ."

توقف السيد (ماكار) عند تلك النقطة، ووضع قلمه على المكتب، وأخذ يتنفس بمجهود وصوت واضحين، كمن كان  يخوض معركة لأول مرة في حياته، وفي ثواني بدات الدموع تسيل من عينيه التي أحاطت بهما هالتا سوداتان، وأمسك الورقة التي كتب فيها ومزقها بقوة، فيما احمر وجهه، وبرزت عروق عنقه وشعر صدره ببعض الاختناق، ففي تلك اللحظة كان السيد (ماكار) ينتحب وبشده. 



النص..
27 يوليو/تموز

أثناء جلوس السيد (ماكار أليكسفتش) يائساً ومجهداً على مقعده أمام الطاولة المليئة بالكتب والأوراق والأقلام المبعثرة، وهي ظاهرة تكررت كثيراً في الأيام الأخيرة، لانشغاله بمشاكله الخاصة، في وقت العمل، قرر الكتابة، وبشكل عفوي كمن اعتاد على ما يفعله، وضع ورقة بيضاء امامه وشرع في الكتابة.

"ربما الصلاة لا تكفي، صلوات الصباح والمساء في القيام وعند جلوساً وعلى الجنب، ربما القرابين لا تصلح، فقد منعها الشيطان، أو أن المقام لم يصبح كما كان، ربما الرحيل، أو غبائي، عرفاناً وتأسفاً وغضباً وكراهية، تولد شعوري الغامر بالحنين، لأمسية قديمة، للمسة أنامل رقيقة تعزف، لجسد منهك لقلب لاهث لآذان تُصغي، لرائحة قهوة نفاذه، فجوة تمتص..  تكسر.. تنتهك؛ حيثما تتواجدين لا توجد..  تتلاشى لقدومك، تنهار لابتسامتك، فتعود الحياة للمرح والحب والدموع، كرؤيا خاطفة للجمال، كبهجة.. تخطف تتابع الأيام البطئ، ياللعجب.. لا أجد نفسي وحيداً.  حتى جاء الشيطان، بعثر كل أحلامي في الحياة، فتمثلت صورتك كما لم تكن من قبل، ينتابها الضباب، يوماً بعد يوم، أكسب الأعوام بروده وعزله، مهدداً كل الآمال، محرومة من وجه الجمال، محرومة من الحياة.
 صليت وركعت واستجديت الكرام وقدمت القرابيين، ذكرت مجالس الخمر، وافتتحت بالنسيب حيناً، وقدمت الحكمة أحياناً، لا صوت، لا رد، لا اجابة، لا شفاء؛  فلا أحد يقاوم شيطان.  عادت الفجوة أكثر اتساعاً، تمتص، تكسر، تنتهك. 
وفي خضم اضطرابي ويأسي من مرور الأيام الذابلة سريعاً، قابلت الشيطان، سأل: إلى أين المسير؟، فقلت: أروح لمجالس القوم، قال: عد فلا قوم لك في تلك المنازل، فإننا قد سكناها، فلا جدوى لمسيرك، قلت: وما الدليل؟، قال: أترى بعينيك؟، قلت: نعم، فسرنا حتى وصلنا إلى أطلال كانت يوماً من الأيام منازل، وما إن هممنا إلى الدخول حتى نعقت أبوام سمراء، تعشش على أسطح تلك المنازل الخربة، فتوقفت على إثر ذلك، ونظرت جانباً فرأيت عينيه قد تطايرت منها الكراهية، فألقيت بحملي إليه، والتفت سريعاً وركضت ركضاً طويلاً، ملتمساً طريقي للعوده. 
فمن أغضب شيطاناً نجا.. ومن لبث الشيطان في بيته هالك لا مفر."

وبعد انتهائه من هذه القطعة، طوى الورقة بعناية، وووضعها بدقة في ظرف، ثم قلب الظرف وكتب عليه "إلى السيد ألكسندر بوشكين.. آملاً في رد من حضراتكم"، وبالأسفل كتب عنوناً في مدينة (ميخايلوفسكوي)، وبعدها نادى على ساعي المكتب، وأمره بأن عليه ان يوصل هذا الظرف إلى مكتب البريد سريعاً قبل أن ياتي ميعاد اغلاقه وانصراف الموظفين منه.
 
 

الواقع..30 أغسطس/آب

الآنسة فارفارا دبروزيولوفا..
غداً أهاجر سفراً بلا رجعة، وذهاباً بلا عوده، راجياً أن أفعل ما عجزت عن فعله طيلة السنوات الماضية، وهو أن أصبح تلميذاً للسيد (ألكسندر بوشكين) الشاعر العظيم.. فقد راسلته منذ فترة، ودعاني إلى أمسية شعرية في منزله بمنفاه في مدينة  (ميخايلوفسكوي)، وعلى امل كبير بان أنضم إلى مجموعة تلامذته، فقد آثرت أن انقل محل عملي إلى هناك، وقد تم الموافقة على ذلك أول أمس، وأظن ان هذا الانتقال اسعد المدير كثيراً.
قرأت يوماً أن على المرء إذا ما واجهته الحياة بالآلام فعليه أن يكون جديراً بها، ولكن يوجد شيء واحد فقط يروعني , و هو ألا أكون جديرا بالآمي*، والفترة السابقة اتاحت لي فرصة مناسبة كي أوجه آلامي لكي أنجز ما أردت تحقيقه دائماً، والفضل في ذلك يعود لك، سأغمس شعوري الغامر بالحزن لكي أخرج نصاً حقيقياً، ملتزماً، سأغمس ألمي في كتابتي لكي أكون جديراً بما اعاني. سأكتب لكي لا يكون هناك داع من الحزن.   


فأيضاً لا مجال للقول أننا سنعيش بذلك الشعور إلى الأبد، لكن يكفي أنه في لحظة ما في يوم من الأيام سنقرأ تلك الكلمات ونتذكر الأيام الخوالي التي كنا نتراسل بها، سنتذكر ونبتسم، ونَحِن مرةً أخرى، سنتستمد شعوراً من الماضي لنؤمن بعدالة الواقع، لا يجب ان يكون ذلك الشعور، شعور بالخزي او الخجل، لا يجب أن نجعل الحزن يسيطر على قلوبنا، ويخيم على ذكرياتنا في الايام الجميلة التي قضيناها في الكتابة والمراسلة، وتلك اللحظات القصيرة التي كنا نتبادل فيها الحديث وجهاً لوجه.

تقبلي مني وداعاً اخيراً، وأملاً أبدياً في السعادة لكلينا


ماكار أليكسفتش