الأحد، 7 يناير 2018

على الحافة

الفقد تجربة قاسية، لا يمكن تجاوزها إلا بفقد أكبر، والتقويض ليس لك عليه طاقة، لن تشفيك موجات الاستهلاك، والأحاديث التفاهة، ولن تطهرك الآلام، ولن تبعدك لحظات التخدير الصافية. تدور السماء كما يدور رأسك، بلا غاية، لكنها لا تدرِك، وأنت مصاب بالدوار لا يستطيع أن يتوقف. روحٌ تسكن في الجسد. تتجلى فيصيبه الوهن. وتتبخر فيأكل بعضه بعضًا. ويصبح فؤادك فارغًا بلا رابط. يجعله من المؤمنين، والكون ملهاة كبيرة والحياة عجلة ندور فيها. يديرها موت. تزداد سرعتها حتى ننتشي. ويُختَطَفُ أحدُنا فلا يلاحظ الآخرون. واذا انتهت اللعبة كانت المأساة. والويل كل الويل للمشاهد من أعلى، للذي يعي تلك الصورة، فلا هو قادر على النجاة، ولا هو يستطيع التلذذ.

لا أظن أني سأستمر حتى الثلاثين، سينتهي كل شيء قبل ذلك، سأموت بلا إرادة خاصة، وستنتظم كل تلك العثرات مرة اخرى وتلتئم لتشكل حياة أخرى لا أسهر على إيجادها، ولا أجلس منها مجلس المراقب.

ستنتهي حياتي تلقائيًا. وربما أشارك في ذلك بشيء من إرادة واهنة. تحارب حتى الرمق الأخير في مطاردة أفكارك، وينزوي هو في جوانب قابلة أن تكون متنفثه الخاص، وتستجدين أنتِ العديد والعديد من الأشياء والأشخاص والمعاني لكنها لم تشفع لتآكل ذاتِكِ الواهنة اليومي. ولم تجد أنتَ ما يمكن أن تتشبث به في سبيل الخلاص.
عشت مؤخرًا حياةً فوق طاقة احتمالي، كآبتي زيفت كل الحقائق وكلما أمسكت بحبل، تخيلته فخًا، فاتحلل منه.

سيحين وقت الراحة قريبًا، صمتٌ أبديٌّ سيحل محل الوجود الضخم المعذِب، وسأنعم لأول مرة بحالة ذاتية تفرض نفسها على الوجود، تستمر تلك الحياة الفاضحة في الحركة، تدور الأفلاك والسيارات، وتشرق الشمس وتغرب يوميًا، سيستمر الجميع في التنفس لن يختلف شيء، سيذهب الناس إلى أعمالهم في الصباح، ويأوون إلى الفراش في الليل، ويتحدثون أحاديث جانبية، وجدتها طوال حياتي سخيفة، ولم أتأقلم معها أبدًا، سيستمر الأصدقاء في التجمع، للحديث، لللعب، للمزاح، للتدخين، للغناء، للعبث.

بينما أنا أنعم بالثبات واللا حركة. سيغيب العالم عني كما سأغيب عنه. لن أراقب تلك السرعة. ولن أحاول قياس التغير مرة أخرى. سيجري النهر كما أراد. ولن أُضطر إلى نزوله. حيث سأتعفن في مكاني بسلام. ستأكل الديدان جسدي كما أكلت روحي الأيامُ. وستدثرني الرمال كما دثرت حياتي الكآبةُ.

آن لجسد هزيل حافظت على سلامته طوال الواحد والعشرين ربيعًا أن يرتاح. جسد لم أؤذيه قاصدًا من قبل، ولم أتعنت في اصلاحه أو مداواته، حافظت على رئتيّه ورديتين كما خلقتا، ولم يتسلل إليهما شيء من التدخين، ولم يصل إلى الكبد شيء من الخمر، لم يتورط قلبه في علاقات مستنزِفة، ولم يستَنزِف أحدًا يومًا ما، حافظت على صفوه قدر استطاعتي. ولكن -رغم ذلك- غرقت الروح في بحر غامض ليس له قرار، بينما ظللت أنوح عليها كل يوم. وأستجديها في كل موقف أنّت له يومًا. أو ربطت بينهما علاقة. كانت تستجيب وترحل سريعًا بلا أثر. حتى اختفت نهائًيا.. دفنتها الأيام. كما سأدفن يومًا ما. ماتت غرقًا بينما سأموت اليوم من العطش.

الموتُ هزيلٌ، يقتات من حكايا الخوف، ويتفرعن من حب الحياة، لكنه ضعيف، وواهن، وغير حقيقي، وغير مفعم بالسوداوية. ها أنذا سوف أقفز. أرى في عينيه الذعر، وأعلم أن في عيني شيء من اللامبالاة.  هو وجه العملة الآخر للحياة. الغياب في مقابل الحضور، الشعور في مقابل البلادة، لكنهما من معدن واحد عابث. لم يُصك كما عليه أن يفعل.

تغدو الحياة على الحافة ممكنة ما بين الوجود والعدم، يصبح الاختيار حينها ممكنا بين الحياة بتعابيرها المختلفة. والموت بكل ما يحمله من أجوبة وجودية، ومخاوف لا نهاية لها في الحياة. القفز أو العودة. قبلة الحياة أو حتمية الموت.
في عالمي لا توجد حواف!  هناك فقط أفق شاسع، يتآكل الضباب فيه كاشفًا عن صمت هائل.


صورة جثة أحد الأشخاص قبل دفنها، وكانت تلك عادة منتشرة في العصر الفيكتوري 


حينما أختار موتي لا أموت
لا يموت المرء إلا مقسرا
حينما يختارني موت أموت
من يختار لي أن أجبرا
-أمل دنقل-

الجمعة، 11 أغسطس 2017

شيء عن الحب

يَا لها مِن لَحظَةٍ مُدهِشَة
حِينَ تَجَلَّيتِ أَمَامِي
كَحِلمٍ مُشرِقٍ خَاطِف
كَلَمحَةٍ مِن الأُنُوثَةِ المُكتَمِلَة

عالم المُثُل فكرة يكتنفها الغموض، وتفتقد إلى الكثير من الخطوط العريضة، أطلقها أفلاطون قبل آلاف السنين، وقُتلت على يد تلميذه النجيب أرسطو، لكنها لم تبرح أفئدة الشعراء، ومخيلة الأدباء.
يتصور أفلاطون أن الحياة الواقعية بكل أشكالها، المادية والمعنوية، والروابط بينهما، ما هي إلا ظلال لوجود أكمل، انفصلنا عنه بشكل من الأشكال، وأصبحنا هنا. في هذا العالم لا يوجد إلا الآلهة، فلا شر ولا نقص ولا عجز، وكل ما نعرفه في هذه الحياة الدنيا، موجود بشكل كامل في عالم المُثُل.

واحدة من أكثر أفكار أفلاطون ارباكًا هي فكرته عن الحب، اعتقد أن الحب هو سعي نحو الكمال، وخطوة حقيقية في سبيل الحقيقة الصوفي، ففي عالم المُثُل كانت هناك كائنات متكاملة، بلا جنس متمايز، كائنات تحمل الجنسين وتمتلك أربعة أذرع وأربعة سيقان، ورأسين، عاقبها الإله بالانفصال، والحب ما هو إلا إعادة لم الشمل الحقيقي.

تؤكد فكرته، سلبًا، أن الشريك المثالي محدد مسبقًا، لا يكفي أن نبحث عنه جيدّا من ضمن مجموع البشر، بل علينا أن نتأكد من الاختيار، الذي يعاني من نسبة نجاح ضئيلة للغاية، كما تؤكد حقيقة عالم المُثُل أن مسعى الكمال سيظل دائمًا يعاني من النقص!.
ويتجلى الإرباك حقًَا في عملية الإدراك لطبيعة ما يُحاول أفلاطون حصره، فقد تحدث عن الحب بشكل لم يتفوق عليه أحد، وحكم على كل المحاولات بالخذلان.
 هل نُحسِن فعلًا الاختيار؟!، وهل من العقل أن نختار في ظل امتحان محكوم عليه بالفشل؟!، هل نسعى إلى الكمال بإيمان أن المصير محكوم بالنقص؟!
لقد تُركنا هنا.. بلا طرق وبلا إرشادات.. وكل الأصوات تنادي: هيا!
ولكنّي لا أملك سوى ان أدون عجزي عن المسير.

"أيا صديقة..
على وجه اليقين لا أعلم ما الذي ينتابني، ولكنني أفكر فيكِ كل يوم، وأتذكر أحاديثنا في كل لحظة، وكأن طيفك لا يبرح مكانه بالقرب مني، وكأنه لا يعبأ لرحيلك، وطول المسافات التي تقبع بيننا.
 أخوض غمار المجهول ولا أعلم كيف أصف أو أفسر.

 لو أنني أحببتك مثلما يُحب الناس لوهبت لعينيك مجازًا تردده الألسن في أنحاء العالم، وتتأوله الأفهام في كل الأصقاع، وتُقسم به الأنفس آناء الليل وأطراف النهار، لأهديتك مجازًا كرؤياك وتجليك خلال أيامي، ولجعلتك رمزًا لهذا العالم، الذي لم أشيده لكني أحس تجاهه بما هو أسمى من المحبة. من خلالك عزيزتي أرى العالم صافيًا هادئًا وقابلًا لكل ما أريد قوله، وأمام عينيك تتكشف لي حقيقة نفسي، أراني ضئيلًا وياللعجب لا أشعر بالحزن أو بالغضب، أشعر فجأة برغبة حارة في احتضان نفسي، وقوة في أن أبتسم في ظل وحدتي، تؤانسني صورتك، وتملأ أركان قلبي، فلا يسعه أن ينشغل بشيء وفي حرمه بعض منك.

 لن أقول فيك نصًا واصفًا فمن ذا الذي يقدر على وصف هذا الجمال، وأيضًا لن يكون حديثي حقيقيًا بلا مجاز فتتنازعه الناس ويختلفوا من حوله. سأنشدك شعرًا دون أن أعيّ في بيانه، وسأقف في حضرة جلالك أرافع عن قضيتي دون أن أحصر. متطهرًا من كل ما أملك، ملقيًا كل أحمل، متخليًا عن ذاتي الضعيفة الواهنة، التي لا تستطيع أن تحلق ما لم تهبي لها قبسًا من الروح."

تحت الأرض خليكي
بركان يتغزل فيكي
خلّي الجذور تحميكي
بترجى فيكي

الاثنين، 15 مايو 2017

أحببت شيئًا ولم أملكه


يخيل إليّ أحيانًا أن مقصد الكاتب هو الأهم في كل مرة ومع كل نص. فرغم بساطة ما يمكن أن تبديه الكتابة من معنى فما تخفيه دائمًا أعظم. فما الذي يملكه الكاتب في جعبته يستحق أن يقال؟!

في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات بدأت في النشر في مدونتي العزيزة، لا أتذكر تلك اللحظة بالتحديد التي حاولت فيها أن أعيد صياغة الأمور من حولي، صياغة تتناسب مع ذوقي المتردد دائمًا في قبول ما يقدمه لي العالم والآخر، كما أنني لا أتذكر سببًا أساسيًا دفعني للكتابة، غير إحساس ضئيل بالتجربة والشغف للتعبير عن شيء لم يُحدد منذ البداية.  بأسلوب ردئ وبفكرة مشوشة انطلقت في رحلة الكتابة.

كحال كل المفاهيم  الذاتية التي تنبع من الوجدان، تغير معنى الكتابة، كنت في البداية أدون الأحلام، وأحبك الخيالات، وأحلم بوجود عالم آخر، يُمكن أن أبوح فيه بشعوري، أو أبادل فيه من أريد بما أريد، عالم لا يُمكن أن يُسكت الخجل فيه شيء، ولا يمنع الخوف فيه شعور، كنت أُدون صراعي الأول، الذي ظننته وقتها صراعًا مفعمًا بالصليل، والكر والفر ولكنني عرفت في النهاية أنه لم يكن كذلك.

كانت كتابات مشوبة بشيء من الحزن الغير مفسر، ورسائل لم تكن لشخص محدد، وكأني بكتاباتي هذه أحاول أن أفسر طبيعة ما كنت أقوم به وقتها.  أتذكر أحيانًا أسباب ذلك الحزن فأبتسم، وأستعرض حياتي وقتها فأضحك. كانت الكتابة وقتها أداة من أدوات الفهم، ووسيلة لقراءة ذاتي وواقعي، كانت كتابات حقيقية في وقتها، مفعمة بسذاجة المحاولات، وبساطة الأفكار، وحاجة الإنسان الملحة لاكتشاف وتدوين كل ما هو غريب.

كتبت ياسمين أكرم مرة.. وأقتبس من المعنى هنا "أريد ان أكتب كما يكتب الرجال، أواجه العالم بشجاعة، ولا أتعثر في ذاتي"
عقب خروجي من الاحتجاز انقطعت عن الكتابة، كان قرارًا إراديًا نابعًا من رؤيتي للكتابة، الكتابة محاولة هادئة ومستقلة لاكتشاف الذات والعالم، من غير الجيد أن يتم شحنها بالغضب والكراهية، أو بالأغراض السياسية المختلفة. كنت غاضبًا ومشحونًا إلى أقصى درجة، فآثرت أن أبتعد وأواجه.
طالت فترة الانقطاع وتحول كل شيء، خسرت صديقتي العزيزة، ودار العالم من حولي، أصبح انقطاعي بلا إرادة، وانتقل من كونه قرار إلى كونه حالة من اليأس، وكأن الكتابة هي محاولة لمواجهة العالم بأبعاده كلها، مواجهة ذات عبء ثقيل لا أتحمله أبدًا، انتهى الأمر لقد فشلت في مواجهة الواقع، فلا داعي للكذب من خلال الكتابة.
في الماضي كانت الكتابة مهنة.. الآن أصبحت الكتابة إجابة..!

أكتب الآن بلا غاية مسبقة، أكتب بإرادة خالصة، تلتصق بكل نص على حدة، تتشكل له بصورة مختلفة، أحيانًا أكتب لأني غاضب، أحيانًا اكتب لأني أريد ان أقول وفقط، أحيانًا أكتب لأن هذا واجبي، وأحيانًا أكتب لأني فاشل في كل شئ. لا يوجد غاية أساسية ودافع يجمع كل تلك الرغبات، غير أن تلك العشوائية هي أفضل ما يُمكن أن يُعبر عني الآن. لا أكتب كي أصارع وأثور وأكافح.. أكتب فقط لأني أحيانًا وبرغبة مضطربة أريد هذا..!

أريد أن أكتب عن شئ .. أي شئ .. كل شئ

الأحد، 30 أبريل 2017

غنوة للموت II

في زمن بوذا كانت هناك امرأة في ريعان الشباب تُدعى (كريشا كوتامي)، رزقها الله بمولود صغير، يملئ القلب سعادة، ويمنح الروح السلام، ويغمُر الأيام بالتجدد، والحياة بالمعنى. عاشت في ظل ذلك الهناء شهورًا لم يُكتب لها أن تُتم العام الواحد، حتى جاء المرض ينهش الجسد الصغير، ويرقده الفراش لأيام، ولم يتركه إلا وقد أسلمت الروح نفسها للموت، وأخذت معها كل سلام في قلب الأم. وأصبح فؤاد (كريشا) فارغًا تقضي الأيام في الطرقات حاملةً جثة الصغير الهزيلة، تلتمس بها السائلين، وتجوب الأروقة، مسحوقةً بالحزن، مكبلةً بالألم، تتوسل كل من كانت تلقاه أن يشير عليها بكيفية تعيد بها الحياة لهذا الصغير. لم تعبأ للمتجاهلين وناعتيها بالجنون، وظلت تبحث وتسال المارة، حتى نصحها رجل حكيم بالتوجه إلى بوذا نفسه، فذهبت إلى لقاءه، ووضعت الجثة الصغيرة أمامه وحكت له مأساتها، فاستمع إليها بمنتهى الشفقة، وقال بهدوء: "ليس هناك إلا دواء واحدًا للداء الذي يُؤرقكِ، انزلي إلى المدينة، وعودي إليّ بحبة خردل تكون من بيت لم يعرف أبدًا أي ميت.."

طرقت الأبواب رغبة في العثور على الدواء، وتاقت نفسها للرجوع إلى بوذا محملة بالإجابة، ولكن الإجابات ظلت كما هي، فبالنسبة للخردل فليس هناك أي مشكلة، لكنها لم تجد البيت الذي بإمكانه أن يعطيها الخردل بالشرط الذي وضعه لها بوذا، وبنهاية اليوم كان التعب قد أنهكها، وقد طرقت معظم الأبواب. ولا أمل في العثور على الدواء. فصعدت إلى بوذا لا تحمل إلا اليأس، فلا أمل لعودة الصغير إلى الحياة، ولا جدوى لبحثها الحثيث.

العودة بالدواء..
تتخذ الموعظة من تلك القصة مركزيتها في عودة المرأة إلى بوذا محملةً بالإجابة الحقيقية الوحيدة، فبكل ثقة وامتلاء عادت المرأة وهي لا تؤمن بشئ قدر إيمانها بالتقلب واللادوام، وأن المؤرِق الحقيقي لها هو ذلك الأمل، والتوقع بامتلاك العالم وامتلاك معناه وحقيقته، فالحكمة تكمن دائمًا في أن نتخلى عن كل ما هو زائل وغير حقيقي، تكمن في التخلي عن كل ما بإمكانه أن يُفقد، وكبوذية خاشعة آمنت أن اليأس هو الإجابة، ولا طريق للسعادة إلا من خلاله..!

إذا حاولنا استعادة القصة مرة أخرى، سنجد أن المرأة كان عليها أن تتوقع شيء آخر في البداية، ففي بداية هبوطها إلى المدينة كانت تتوقع دواءً من نوع آخر، دواء بإمكانه أن يُعيد الحياة إلى رضيعها مرة أخرى، فهي لم تبحث عن معنى في البداية قدر بحثها عن إجابة محددة ودواء لغرض معين، وحكمة بوذا كانت تهدف لكشفها عن رمزية هذا الفقد، وهل بإمكانه أن يكون في صالحها، ثم كانت هناك مرحلة من العناء لبلوغ هذا الغرض، ومرحلة في المنتصف بالتأكيد بدأت فيها التساؤل عن مكانتها المتسائلة الحقيقية، مرحلة "لماذا بإمكان الموت أن يختطف الصغار؟!" ثم مرحلة التسليم التام، "من أنا كي أضع قواعد للموت؟!" ومن ذلك السؤال الأخير بدأت في بناء قناعتها باليأس المضاد لكل تعلق والمضاد لكل أمل، فمن هذا الأمل يأتي الشقاء دائمًا.

لماذا الأمل ضروري؟!
القناعات المركبة دائمًا بحاجة لمضاد يبررها، هل كان بإمكان المرأة أن تصل إلى تلك القناعة إلا بقناعتها الطموحة السابقة، وعنائها الذي باء بالفشل في النهاية، هذا اليأس لا يمكن أن ينمو إلا بفشل شخصي، فشل نطبع عليه مكانتنا الوجودية من هذا العالم. اليأس إذا غير مبرر في ذاته ولا يُمكن أن يُخلق إلا في ظل أمل يبرره، ويقتات عليه، فالحياة وفق الواقع تقتضي أن نؤمن بتجربة العنفوان، والامل والتمسك القوي بالحياة، لأن هذه الهشاشة التي تحكم الحياة، لا يُمكن بحال من الأحوال أن تُكتشف إلا بتجربة شخصية.

الحياة وفق الموت..
رغم إحاطة حقيقة الموت بالموجودات كلها، فهناك اختلاف في تصور الفكرة وإدراكها وتقبلها، فالانسان يتميز بقلقه الوجودي، وتتمايز أفراده في مقدار ما يشكله الموت لها، لذلك اهتمت الحكمة القديمة أن تستوعب الحياة في إطار الموت، وجاءت الأديان لتؤكد أن الحكمة كل الحكمة هي في تقبل الفناء، واللادوام، وأن الموت حقيقة لا يُمكن الفرار منها، وهذه الحقيقة هي المُعطى الاساسي في عملية فهم الحياة، فالسعادة مرتبطة بتقبل الحياة كما هي، وبفنائها، وبالتخفف من أحمالها.



الثلاثاء، 11 أبريل 2017

كنس مدخنة

حينما نريد أن نتحدث عن شئ ما، نحاول في البداية حصره وتأطيره، واكتشاف سياق يمكن أن يوضع فيه، ونشرع في الحديث عنه بعد ذلك. هذه العملية تُهمل أجزاء كثيرة قد تبدو للمتكلم ليست ذات أهمية، لكنها في الحقيقة تُشكل جزء من الاكتمال -على الأقل بالنسبة للمستمع-.
ما أريد قوله هو أنه لا يُمكن بحال من الأحوال أن نصف بشكل متطابق، نعم.. قد نقترب من المعنى، ونعم.. قد يصل هذا الاقتراب إلى المستمع، لكن محاولة الادعاء بأن هذا الكلام يطابق هذه الحقيقة هو من مجال المبالغة الفجة، إن قدرتنا نحن كبشر على مطابقة الحقيقة من خلال الكلام هراء وسخف، وحالما ندرك هذه الحقيقة يتمثل لنا سؤال الحقيقة بكل خيلاء... ما هي؟! وهل بامكاننا أن نحصرها؟! هل بامكاننا أن نتجاوز ما نسميه الحقيقة؟!
هذا بسيط للغاية لكنه جنوني لأننا حالما نعتبر الكتابة وصف رمزي للواقع، لا نعلم أيعني هذا أن الواقع أكبر من ذلك الرمز، أم أن الكتابة ليست سوى تعبير عن علاقات عابرة تافهة سعيدة!؟

"أستيقظ فأعود إلى الرتابة.. إلى اللاشئ.. لم أقفز بعد إلى هاوية، أنا على الحافة. لم تكن نهايتي إلا سراب، نهايتي أصبحت مألوفة أيضًا، كمخاوفي وهروبي، عقلي يتصارع بعنف، بلا حياء، بلا استئذان، أقف في منتصف الصمت، لا صوت قبل، ولا صوت بعد، لا أعلم ماذا أسمي هذا، لكنه ليس الصوت، ليس الضجيج، ليست الحركة، لا أراني، لا أسمعني، ولا أشعر بالألفة. وكأن شيئاً لم يكن.
 كأني لم أتخيل انتحاري بالأمس، كأن الدماء لم تُغرق ذاكرتي بصمت، كأن اللون الأحمر الداكن لم يتسرب ببطئ إلى عيني، كأنني لم أبك على ما فات، وما سيكون، وما يقف في المنتصف شاهدًا على ما حدث. هذا الذي ليس لي ولا أملكه، ولا لغيري ولم يعادني، لكنه صديق مؤرق، يقتطع الملذات، وينغص عليّ أوقاتي بالألم، وينتظر.. مثلما أنا دائماً أنتظر.. أشعر بقطرات ساخنة على خدي، فيدب في نفسي الحنين، وأبكي على ما حدث.. وما سألاقيه!"

أستيقظ تلك المرة وأفتح عيني على الواقع، أتأخر على ميعاد العمل، أكافح كي أصل، لأحصل في النهاية على عقوبة تأخير مغرية، أجلس لأنتظر انتهاء دوامي، لأسير في الشوارع بخطوات واسعة مسرعة.. إلى أين لا أعلم، إلى المنزل غالباً.. أعود إلى المنزل، أعد طعامي أختار ما أنا معتاد عليه، لا أغامر بوقت الطعام، ثم أنزوي إلى سريري كالعادة.. أنام لاكثر من عشر ساعات، لأستيقظ مرة أخرى على دوام عملي.

بالأمس كانت المرة الأولى التي أُفكر فيها بانعدام المعنى، انعدام يشمل كل شيء، يبدأ بكل تلك التفاصيل وينتهي إلى مجموعها، ليس بإمكاني أن أصف بدقة شعوري حيال ذلك، فأي وصف هو في النهاية محاولة للتوضيح، وأي محاولة للوضوح تجربة فاشلة لخلق معنى..!
حينما لا أكون على عجلة من أمري، حينما لا يزعج قلبي أي احساس، حينما ألتقي بغتة بنفسي في الطرقات، تراودني عنها وتدنيني منها، في تلك الأوقات الضئيلة التي لا يؤرقني فيها شئ أشعر بالحنين الجارف وأشعر بتآكل كل شئ داخلي من خلال ذلك الجموح، أشعر بتنامي احساسي بافتقاد الحاضر، وافتقاد الغضب والحماس والطموح، والفرح، والأمان.
لا يمكن إجمال ما أريد قوله إلا باليأس، أعاني من اليأس، وتقطع السُبل. أحاول أن أتمسك بصورة من الماضي، لكنها تتخلى عني ككل الأشياء، أحن إليها بشدة، أعلم أنها صورة لكني أعلم كذلك أني لا أحن إلى شئ قدر ما أحن إلى هذه الصورة.
أين تضيع سنوات الانتظار؟ لا أعلم!
 لم يشفع لي شئ أمام هذا اليأس، لا القراءة ولا الكتابة ولا المحاولات الحثيثة لإدراك اللحظة الراهنة، حتى إيماني المتخاذل دائمًا الذي ظللت أحفظه من كل سوء، وأُنميه وأسقيه من بنات أفكاري، انتهز فرصة ضعفي وهرب!


الجمعة، 31 مارس 2017

عزاء يشبه المقدمة

كيف لي ان أقدم نصًا..!
لدي مشكلة عميقة مع المقدمات، كلما أردت أن أكتب عن موضوع  لا أجد البداية المناسبة، وإذا وجدت تتبخر الروابط، وإذا تشبثت بها -أو بالأحرى تشبثت هي بي- أنسى ما كنت أريد قوله.
 ابتعدت عن الكتابة لما يقارب العامين بسبب العجز عن التقديم، العجز عن تشكيل الروابط، العجز عن الالتفاف حول فكرة أساسية، ظننت دائمًا -أصبح اعتقادًا مؤخرًا- أن تمثيل المشكلة الوجودية المؤرقة للإنسان طوال العصور بالكتابة تمثيل في محله للغاية.
المقدمة عضو أصيل في آلة المنطق، لا يمكن أن تبني برهانًا إلا من خلاله، ولا يمكن أن تعرض أفكارك قبل أن تتجاوزها، هي جزء من نسق يؤمن بالعقلانية، بالسرد التسلسلي، نسق لا يؤمن بفضح الكاتب ولا يفهم تعبيراته الفجة عن خلجات نفسه، نسق لا يحيا في مثل هذا الجنون. التدوين فن تعبيري ملتصق بتلك الحياة، التي لا نعيشها إلا مرة واحدة، لا تتكرر، ولا تتشابه ، ولايمكن أن يُعقلن إلا النذر القليل منها، التدوين عدو للمقدمات، فلا هو يستطيع أن يؤمن بالمجاملات والتزيين، والشفافية، ولا هي تستطيع أن تستوعبه أيضًا، بكل ما يحمله من أفكار تدميرية وكابوسية وعدمية قاتلة، المقدمات سماح للقارئ بالتدخل في خلق النص، نافذة للف المشنقة حول النص المدون.  القارئ لا ينفك في محاولات القراءة والتأويل، هذه وظيفته، لكن ليس من حقه التدخل بمعنى.
 أفلا يدعونا هذا إلى قتل المعنى، وحرقه ونثر رماده على العبارات..!

انشغلت بالفلسفة، ورفعت أستارها في حياء وخجل -أو ربما عدم ثقة-، كنت أريد أن أجد إجابة تعلل تقلب هذا العالم وتغيره، أريد أن أفهم طبيعة هذا النسيان وهذا الحزن، كيف يستطيع القَدَر أن يُشكِل نفسَه من خلالهما، كيف يتسنى له أن يعجن المصائب بمرح، ويتركها تنضج، ويقدمها لنا على طبق من فضة، كنت أتسائل عن الطريقة التي تستطيع السذاجة من خلالها أن تغير المصير، وتقلب السعادة شقاء، والألفة غربة، والسرور إلى عبوس، تساؤلات بلا أجوبة، وما كنت أسأل عنه في البداية، وجدتني أسقط في دوامة من التساؤلات التي تقبع خلفه، فكلما سألت سؤالًا أجد آخر ينتظر قبلًا وإجابات ترغب في حسم أمرها، لا الحزن يرحل، ولا أنا أبتعد،، كل شئ مِلك يدي، أنا سيد ذاك العالم.. أضع الإجابة التي تناسبني، وأثير الشكوك والتساؤلات حول ما يؤرقني، وأجعلهما أساسًا أدور حوله وأسير من خلاله، المشكلة الصغيرة بإمكانها هنا أن تكون مشكلة وجودية، السؤال الصغير تحول إلى مركز، والطريق أصبح محاولة لحصره..!

أُغرمت بالعلاقات والروابط، كيف تتشكل الرابطة بين الأشياء وكيف بإمكاني أن أهدمها رأساً على عقب، كيف بإمكاني أن أخلق عالم متكامل من الحتميات، ثم أخرج من خلاله وأقول أنا حر.. هكذا بكل بساطة، أتكلم بدون ترتيب وأنهي خطابي بسرعة.
فانا الآن ملك ذلك الاختراق أخلقه وأسير خلاله..!

 آمنت في النهاية أن الهجر هو الأساس الذي ننطلق منه في مسار دائري بحثًا عن الذات،  لا نذهب إلى تلك الرحلة قدر ما نساق إليها، فمن ذا الذي يذهب إلى العالم الآخر بكل مرح؟! أمنت أن الألم هو الوسيلة المُثلى لإدراك مدى الاغتراب الذي ننغمس فيه، الوسيلة المُثلى لفهم مدى هشاشة هذا العالم الذي نعيش فيه، نتكأ فيه على فهم الآخرين، ومجهوداتهم، ومنتجاتهم، ووجودهم، وحبهم، أو كراهيتهم حتى، ننعم بكل ما تنتجه الجماعة، ونعيش في رفاهيتها.

 لا يمكنني أن أمجّد ذلك الزيف -ما أراهن على زيفه-، لا يمكن أن أخفض أنيني بانغماسي فيه، ولا يمكنني بحال من الأحوال أن أراهن على الفردانية بكل ما تحمله من هشاشة، لكن ليس هناك سبيل آخر..!
هل بإمكاننا ان نتصالح مع كل ما هو زائف خوفًا من كل ما هو مجهول؟!
 
 الأفضل سبيلًا وعلاجً هو أن ننزوي ونتقوقع مع أنفسنا وداخلها، محاولين أن ننتج ثنائية من أنفسنا مخاطب ومتكلم.  ففي تلك الحالة لا يمكن أن نراهن إلا على الرضا بالشئ الحقيقي الذي صنعناه، لا يمكن أن نضمن إلا ذلك.
 في تلك الحالة نحن من نصنع العالم لا العكس، ونحن من نتحكم في معايير تدخلنا مع العالم، وليس هو، إننا نمسك زمام أمورنا من خلال هذا التقوقع، في محاولة لفهم الأبعاد وضبط الحدود بين الذاتي والجمعي، من أنا؟!  ومن هو؟!.
إننا ندين للهجر بشدة لا يمكن انكارها، ندين له باعتباره سبب أساسي للبحث عن الحقيقة..!

الأحد، 28 أغسطس 2016

ما فعله النص بالكاتب

منذ فترة ليست قصيرة تركت الكتابة المنتظمة بشكل كبير، خصوصاً أن السمة الأساسية التي كنت أكتب من خلالها -سواء ما تم نشره أو ما احتفظت به لنفسي- هي الرسائل، والدافع الأساسي الذي  كان يحرضني على الكتابة هو اكتئابي، ببساطة كنت أكتب لأني غاضب. استجديت الكرام وتذللت لربة الالهام عسى أن أنال منها أسلوباً جديداً، انغمست في رحلة طويلة لمكافحة دوافعي، اعتبرت الكتابة عدو لا يجب التصالح معه، اعتبرتها عنصر تشتيت عن معركة أساسية، وسيلة من وسائل الهروب عن الحقيقة، لقد كانت الكتابة هي الحياة المترفة في وجه حقيقة الفقر.
أصدقاء وهميين، رسائل لمجهولين، أعزاء من طرف آخر لا أعلمه، كانت الرسائل هي شفائي الوحيد -كنت أظن ذلك وقتها-، كانت الكتابة بالنسبة لي محاولة في سبيل الخلاص الفردي الذاتي من غضبي وحزني، لكن ذهبت السمة وبقى الدافع.
أنا الآن لا أكتب لأحد، سأكتب عن كل شئ، لن أدع مجال آخر للتكهن، لأني سانزل جام غضبي على كل ما هو هش. .ضعيف ، لا معنى له، سأنتصر للذوات الضعيفة في مقابل السرديات اللاعقلانية، سأحترم عزلتي وأدوي كالصاعقة، لأني كما قال نيتشه "لهيب" ..!

الكتابة كتعبير عن اللاشئ
"لشئ ما عيوبه دائماً.. وحده اللاشئ كامل"
تقول نانسي هيوستن في كتابها أساتذة اليأس، أن من ضمن الخصائص التي امتاز بها المفكريين العدميين هي الكتابة ومحبة شوبنهاور، ربما تكون الثانية مفهومة ومبررة، القراءة للأب الروحي للعدم هذا أساسي ومنطقي، لكن ما ليس مفهوماً هذا التشارك على الكتابة، الكتابة هي السبيل الوحيد للخلاص الجمعي، الكتابة تتفوق على الانتحار في الخلاص، الكتابة فعل سوداوي عدمي تؤيد النهاية، وتشكل الروابط، وتنسج العلاقات المتعددة؛ كي نصل في النهاية للسرد العدمي، إننا لا نستطيع الهروب من الأفكار العدمية، إن هذه اللاعقلانية واللامنطقية التي أصبحت سمة العصر الآن لن نستطيع الهروب منها بحال من الأحوال إلا من خلال الكتابة، الكتابة هي عزاء العدمي في معركته المستمرة ضد إرادة الحياة، لأن العدمي يستطيع في أي وقت أن ينتحر هكذا ببساطة، لكن هذا شئ لا يليق بشرف الانتماء لفلسفة شوبنهاور، فعلينا بدلًا من أن تخلص من هذه الفرديات الضئيلة المسماه حياتنا، علينا أن نسعى للخلاص الجمعي المتمثل في إفناء هذه الحياة البشرية السخيفة، ولذلك على العدمي أن يقاوم دائماً رغبته في الانتحار كما يقاوم الجندي الهروب من المعركة، هذا الطرح يضعنا في إطار آخر.. وهو لماذا نكتب؟!، هل نحاول فعلاً الخلاص من خلال الكتابة، أم أن أفكارنا الكامنة تؤيد العدمية دون أن نعلم؟!!.


التدوين..
علينا في أي نص نحاول كتابته أن نتقيد بشكل من أشكال الالزام اللغوي، وحتى الذين حاولوا أن ينسلخوا من اللغة قدر الامكان مثل صامويل بيكيت، اشتركوا في كتابة رمزية فقط. لأن الشرط الأساسي في النص المنشور أن يفهمه قارئ، تقول ساخراً: بالتأكيد!.
لكن في حالة التدوين لأنفسنا نحن لسنا ملزمين، لماذا عليّ ان أصنع شكل من أشكال الترابط في النص إذا كنت أنا صاحبه وقارئه؟!، لماذا علي أن أبرر أفعالي طالما انا أعرفها أو أعرف نفسي جيداً؟! اني هنا لا أحاول أن أستنكر وأعترض قدر محاولتي لفهم هذا الشئ المثير للاهتمام، وهو خلق الناس الروابط لأنفسهم؟!
من نحن؟!.. لا أعلم.
إننا نؤكد في كل تدوين أننا لا نعلم من نحن، إننا نتغير، نؤمن بهشاشة معرفة أنفسنا، فمع مضي الوقت لا نكاد نعلم كيف كنا في السابق، إننا نتخيل انفسنا في الماضي لكننا لا نعلم.. حقاً لا نعلم.. ولذلك نصنع روابط لانفسنا المستقبلية لنضيق لها مساحة الخيال، أو لنصنع لها طريقاً أقرب للواقع منه للخيال، إن قيمة النص تكمن في المعاني التي تقف خلف هذا السرد، فكيف لنا ان نتكهن بمعرفة هذا المعنى في وقت كتابته، يا للسخافة الكاتب يكتب ليقرأ بعد فترة من الوقت، لكنه يكتشف أثناء القراءة أنه حقاً لا يعلم عن هذا الكاتب شئ.. إننا نضع لانفسنا أدلة. الكتابة هي تسجيل التداعي..! 

تبرير الكتابة 
أقع دائماً في ورطة التبرير، لماذا أكتب ؟! لماذا أتكلم عن الكتابة أكثر مما أمارسها؟!، أنا لا أكتب منذ حوالي سنتين، لكني لا زلت أفكر في بداية مناسبة، وهذا ما يصنع الخلل والتردد والحيرة، أنا أرى الكتابة بشئ من الكمالية، شئ من المثال النبيل الذي يسعى الانسان إليه، الوسيلة النبيلة التي يتصل من خلالها الانسان بالماضي والحاضر، ويعبر عن أخطائه البشرية وكل ما يتصل بها من أشياء، وأفكار، وآلام، لا أستطيع منع نفسي من الانتقاد، كل شئ.. الأسلوب، الكاتب، افكاره، سرده، معلوماته، الوعاء الفكري والفلسفي الذي انطلق منه، كل شئ قابل للجدال، كل شئ قابل للانتقاد، ربما لأنه سئ جداً، أو لأن كاتبه لا يعلم حقاً ما كتب!، النقد والتمحيص والتحقيق وراء الكاتب، هو ما يصنع من الانسان أفكاره، هو ما يحفز قيمة الغضب والجلد والرغبة في الأحسن، هو ما يمكن أن يقلب عالم الثقافة الراكد، لكني ما إن أشرع في الكتابة حتى أقع في أخطاء أشد من التي أتصيدها..!

الكتابة كتنفيس عن الغضب..
الكتابة فعل يقوم على ارادة، هي ليست فعل سليقي كالشعر، لا يحتاج الانسان فيه سوى أن يمتزج شعوره برغباته وأفكاره ويبدأ في التعبير عن نفسه في سيل من التراكيب والمفردات المكونة في عقله، والشعر إن لم يخرج سليقياً فقد انتفى منه جانب مهم من جوانبه،  رغم ان هناك من الشعراء من كان ينقح شعره، فيخرج في كل عام قصائده بعد تنقيح شديد، -مدرسة الحوليات مثلاً-،  إلا أن الشعر يكون أفضل وأجود كلما كان سليقياً، والنسق الشعري ربما لا يريده الشاعر، فقد يرمي إلى معنى، وتكتشف أنت معنى لم يخطر على باله أبداً..!،  اما الكتابة فهي بحاجة للارادة، ارادة أن تقول ما عندك، وقدرة بأن تعبر عنه، وفن بأن يخرج كما تريد، وبلاغة أن تصل إلى القارئ كما تريد فعلاً أن تصل، لذلك لا تستطيع أن تصبح كاتباً بسهولة، لذلك تصبح القيود في النص عند الكتابة أكثر، ولذلك لا يمكن لكاتب أن يكتب إلا إذا راجع ما كتب، وأن يفكر في المعنى وما يمكن ان يشكله من معاني ما ورائية، وأن يفكر في ترابط الأفكار والألفاظ، وما إن كانت تشكل نفس المعنى الذي يرمي إليه أم أن الأحداث فقط ليس لها علاقة بأي شئ، وحال تجاوز كل هذه السجون، تدرك في النهاية ان الكتابة لا تخفف عنك وانما هي تقسّي قلبك ليجعلك تواكب ما تستقبله من مصائب، فالكتابة ليست فعل نسيان وإنما الكتابة فعل تذكر، الكتابة ليست وسيلة من وسائل التحرر، لكنها وسيلة من وسائل الحصار، حصار المجتمع لذواتنا المتفردة.. يا للمأساة..!